سلط تقرير حديث للمندوبية السامية للتخطيط الضوء على واقع مقلق يهم مستقبل تقاعد النساء بجهة طنجة تطوان الحسيمة، في ظل استمرار الفجوة بين الجنسين داخل سوق الشغل، رغم الدينامية الاقتصادية والصناعية التي تعرفها المنطقة خلال السنوات الأخيرة.
وأوضح التقرير أن هشاشة المسار المهني للنساء لا تقف عند حدود ضعف الدخل أو عدم الاستقرار الوظيفي، بل تمتد إلى مرحلة ما بعد التقاعد، حيث تجد نسبة كبيرة منهن أنفسهن خارج منظومة المعاش أو في إطار تغطية اجتماعية محدودة.
وتعد جهة طنجة تطوان الحسيمة من أبرز الأقطاب الاقتصادية بالمملكة، خاصة مع توسع قطاعات النسيج والخدمات والتجارة واللوجستيك والعمل المنزلي، غير أن هذا النمو لم ينعكس بشكل متكافئ على وضعية النساء، إذ يشتغل عدد كبير منهن في أنشطة غير مهيكلة أو بدون تصريح قانوني.
وسجلت سنة 2025، وفق المعطيات الجهوية، تراجعا طفيفا في معدل نشاط النساء ومعدل تشغيلهن، مقابل استقرار معدل البطالة، ما يعكس صعوبة اندماج النساء في سوق الشغل مقارنة بالرجال، إضافة إلى استمرار اشتغال نسبة مهمة منهن في وظائف تفتقر إلى الاستقرار والحقوق الاجتماعية.
وتتركز مساهمة النساء بشكل كبير في أنشطة يومية كالتجارة الصغيرة، والعمل المنزلي، وبعض وحدات النسيج، والخدمات، فضلا عن المساعدة العائلية غير المؤدى عنها، وهي أعمال توفر دخلا أساسيا للأسر لكنها لا تضمن تغطية اجتماعية أو حقوقا تقاعدية.
وعلى الصعيد الوطني، أبرز التقرير اتساع الفجوة، حيث لا يتجاوز معدل المشاركة الاقتصادية للنساء 19,1 في المائة، مقابل 68,6 في المائة لدى الرجال، فيما تشتغل حوالي 70 في المائة من النساء النشيطات في القطاع غير المهيكل.
وتنعكس هذه الوضعية بشكل واضح عند بلوغ سن التقاعد، إذ لا تستفيد سوى 15 في المائة من النساء البالغات 60 سنة فما فوق من معاش، مقابل 37 في المائة من الرجال، وهو فارق يتراكم عبر مراحل الحياة المهنية، بدءا من ضعف الولوج إلى العمل، مرورا بندرة العمل المأجور، وصولا إلى محدودية الاندماج في الاقتصاد المنظم.
ويطرح هذا الواقع تحديا مزدوجا أمام الجهة، يتمثل في ضرورة رفع مشاركة النساء في الاقتصاد الرسمي، وإدماج العاملات في القطاعات الهشة ضمن أنظمة التصريح والحماية الاجتماعية، لتفادي تحول سنوات العمل إلى شيخوخة بدون مورد قار.
كما حذر التقرير من تداعيات الشيخوخة الديمغرافية، متوقعا ارتفاع معدل إعالة المسنين من 18,7 في المائة سنة 2021 إلى 24,5 في المائة سنة 2030، ثم إلى 39,3 في المائة في أفق 2050، ما يزيد الضغط على أنظمة التقاعد، خاصة في ظل محدودية قاعدة المساهمين، خصوصا من النساء.
وخلصت المندوبية إلى أن المرحلة المقبلة ستكون حاسمة، باعتبار أن الأجيال التي ستبلغ سن التقاعد بين 2040 و2070 تبني حقوقها اليوم، ما يستدعي تسريع وتيرة إدماج النساء في سوق الشغل المنظم، وتوسيع التغطية الاجتماعية، لضمان مستقبل أكثر إنصافا واستقرارا.

