لم تعد بعض مظاهر الاحتفال بالولادة تقتصر على البيوت أو فضاءات الاحتفال الخاصة، بل بدأت تتسلل إلى محيط المصحات الخاصة، حيث تُنظم أحياناً طقوس استقبال للمولود الجديد أمام أبواب المؤسسة الصحية، وسط الورود والبالونات والبوفيهات، بل وبمشاركة فرق موسيقية تؤدي ألواناً شعبية مثل الدقة المراكشية وعيساوة، في مشاهد تثير نقاشاً متزايداً حول حدود الفرح واحترام حرمة المكان ومشاعر الآخرين.
المشهد قد يبدو في ظاهره احتفالاً بولادة طفل، وهي مناسبة سعيدة بلا شك، غير أن وضع هذه الاحتفالات في محيط المصحات يجعل الصورة أكثر تعقيداً. فخلف الأبواب نفسها قد تكون أسرة أخرى تعيش لحظات مختلفة تماماً؛ أب أو أم ينتظران بقلق خروج الطبيب لإخبارهما عن قريب يرقد في قسم العناية المركزة، أو عائلة تعيش حالة من التوتر والترقب بسبب عملية جراحية دقيقة.
وفي بعض الحالات، قد يتزامن هذا الفرح مع خبر وفاة داخل المؤسسة الصحية، لتصبح المسافة بين الزغاريد والصمت الثقيل الذي يخيم على أسرة فقدت أحد أفرادها قصيرة جداً، وربما لا تتجاوز بضعة أمتار.
فرحة في جهة.. وقلق في الجهة الأخرى
المشكلة هنا لا تتعلق بالولادة ولا بالاحتفال بالمولود الجديد، وإنما بالمكان والسياق وطريقة التعبير عن الفرح.
فالاحتفال داخل أو أمام مصحة تستقبل مرضى في أوضاع صحية مختلفة يضع عائلات أخرى أمام مشهد قد يكون جارحاً. شخص ينتظر خبراً عن والدته أو زوجته أو ابنه، وقد يكون في أشد لحظات القلق، بينما تصله أصوات الموسيقى والزغاريد، ويرى الورود والبوفيهات ومظاهر الاحتفال أمامه.
إنها مفارقة قاسية: عائلة تحتفل باستقبال حياة جديدة، وأخرى قد تكون في اللحظة نفسها تنتظر خبراً قد يغير حياتها إلى الأبد.
ولا يتعلق الأمر بمنع الفرح أو مصادرة حق الأسر في الاحتفال، وإنما بالسؤال عن مدى احترام الفضاء الصحي باعتباره مكاناً مشتركاً، وعن قدرة البعض على إدراك أن ما يمثل لحظة سعادة بالنسبة إليهم قد يتحول، بالنسبة لآخرين، إلى مصدر إضافي للألم.
حين تتحول العادة إلى استعراض
لطالما ارتبطت الولادة في الثقافة المغربية بالفرح والزغاريد وتبادل التهاني، وكانت الأسرة تستقبل الأم والمولود وسط أجواء احتفالية يغلب عليها الطابع العائلي. غير أن بعض المظاهر الجديدة تبدو وكأنها تتجاوز الاحتفال التقليدي إلى استعراض اجتماعي داخل فضاء لم يُخصص أصلاً للاحتفال.
ورود بكميات كبيرة، بالونات، بوفيهات، فرق موسيقية، وتصوير لحظات الاستقبال، كلها مظاهر أصبحت حاضرة في بعض المناسبات، بما يجعل السؤال مشروعاً: هل نحن أمام امتداد طبيعي لفرحة مغربية قديمة، أم أمام نمط اجتماعي جديد يفرض نفسه على المجال العام دون مراعاة خصوصية المكان ومشاعر الآخرين؟
فالتراث المغربي غني بطقوس استقبال المولود، لكن تحويل محيط المصحة إلى فضاء احتفالي صاخب ليس بالضرورة جزءاً من هذه التقاليد، بل يبدو أقرب إلى عادات مستحدثة تفرضها الرغبة في إظهار الاحتفال وتوثيقه أمام الآخرين.
المصحة ليست مسؤولة عن مشاعر الأسر الأخرى
في المقابل، لا ينبغي تحميل المصحات وحدها مسؤولية هذه المشاهد. فالمؤسسة الصحية قد تكون مطالبة بتنظيم فضائها وضمان الهدوء واحترام المرضى، لكن الأسرة التي تختار إقامة احتفال صاخب تتحمل بدورها مسؤولية سلوكها ومدى احترامها للآخرين.
المسألة، في جوهرها، تتعلق بثقافة التعامل مع الفضاء المشترك. فحين تقرر أسرة الاحتفال بولادة طفل، فإن فرحتها لا ينبغي أن تتحول إلى حق مطلق في تجاهل وجود أسر أخرى تعيش ظروفاً مغايرة تماماً.
وقد يكون المطلوب ببساطة هو قدر من التعقل والذوق الاجتماعي: الاحتفال، نعم؛ تهنئة الأم والمولود، نعم؛ لكن دون تحويل باب المصحة إلى منصة للزغاريد والموسيقى والموائد، ودون جعل الآخرين مجبرين على المشاركة في فرحة لا تخصهم، خصوصاً وهم قد يكونون في انتظار خبر عن مريض بين الحياة والموت.
بين الفرح والمسؤولية
الفرح بمولود جديد حق مشروع، بل هو من أجمل اللحظات التي تعيشها الأسر. لكن الفرح، مثل الحزن، يحتاج إلى مساحة تحترم الآخرين.
فليس المطلوب أن تختفي مظاهر الاحتفال من المجتمع، ولا أن يُنظر إلى الولادة باعتبارها مناسبة يجب أن تمر في صمت، وإنما أن تستعيد المناسبة معناها الإنساني بعيداً عن المبالغة والاستعراض.
أن تفرح بمولودك حقك، لكن أن تراعي وجع من يقف بجانبك منتظراً خبراً عن مريضه، فذلك من أبسط قواعد الإنسانية.
وفي النهاية، ربما يكون السؤال الأهم: متى أصبح باب المصحة مكاناً مناسباً لإقامة الأفراح، بينما يقف خلفه في الوقت نفسه من ينتظر خبراً قد يحمل إليه الحياة أو الموت؟

