أعاد كتاب فرنسي تاريخي صدر سنة 1866 تسليط الضوء على طبيعة الحدود والمساحة الجغرافية للجزائر خلال السنوات الأولى من التغلغل الاستعماري الفرنسي، مقدماً معطيات حول المجال الذي كانت تسيطر عليه الإيالة الجزائرية قبل توسع الإدارة الاستعمارية في اتجاه المناطق الصحراوية والحدودية.
ويتعلق الأمر بكتاب «عبد القادر، جنودنا، جنرالاتنا وحرب إفريقيا» للكاتب الفرنسي ليون بلي، والذي أورد، وفق المعطيات الواردة فيه، أن مساحة الجزائر في بداية الحقبة الاستعمارية كانت تقدر بحوالي 300 ألف كيلومتر مربع.
وبحسب الكتاب، كانت الحدود المعروفة للجزائر آنذاك تمتد شمالاً إلى البحر الأبيض المتوسط، بينما كانت المناطق الصحراوية تشكل مجالاً منفصلاً جنوباً، في حين كانت إيالة تونس تحدها من الشرق، وإمبراطورية المغرب من الغرب.
كما يقدم المؤلف وصفاً للتنظيم الإداري الذي اعتمدته السلطات الفرنسية بعد احتلال الجزائر، حيث جرى تقسيم المجال الخاضع للسيطرة الاستعمارية إلى ثلاث مقاطعات رئيسية، هي وهران والجزائر وقسنطينة، مع إخضاع أجزاء منها لنظامين مدني وعسكري.
ويتطرق الكتاب كذلك إلى معاهدة التافنة الموقعة سنة 1837 بين فرنسا والأمير عبد القادر، والتي حددت، وفق ما أورده المؤلف، نطاق المناطق التي كان يتولى الأمير إدارتها، خاصة مقاطعة وهران وإقليم التيطري وأجزاء داخلية من مقاطعة الجزائر، مقابل احتفاظ القوات الفرنسية بعدد من المدن والمراكز الساحلية والاستراتيجية.
ويشير المصدر ذاته إلى أن الاتفاق فرض مجموعة من الشروط على الأمير عبد القادر، من بينها عدم ممارسة النفوذ على السكان المسلمين الموجودين في المناطق الخاضعة للسيطرة الفرنسية، إضافة إلى التزامات مرتبطة بتزويد الجيش الفرنسي بالحبوب والماشية وضمان حرية التجارة.
كما تناول ليون بلي معاهدة لالة مغنية الموقعة في 18 مارس 1845 بين فرنسا والمغرب، والتي جاءت لتحديد جزء من الحدود بين المغرب والمناطق الخاضعة للسيطرة الفرنسية في الجزائر.
ويكتسي هذا الاتفاق أهمية خاصة في النقاش التاريخي المرتبط بحدود الجزائر والمغرب، بالنظر إلى أن ترسيم الحدود خلال الفترة الاستعمارية تم في سياق توسع فرنسا في شمال إفريقيا وإعادة تنظيم المجالات الترابية التي كانت تخضع لسلطات مختلفة قبل الاحتلال.
ويبرز الكتاب، من خلال وصفه للجغرافيا والمجالات الواقعة جنوب الجزائر، الدور الذي لعبته السلاسل الجبلية والمناطق الصحراوية في الفصل بين المجالات المأهولة والمراكز التي كانت خاضعة للإدارة الاستعمارية وبين الصحراء الممتدة جنوباً.
وتأتي هذه المعطيات لتغذي النقاش التاريخي بشأن تطور الحدود الجزائرية خلال الحقبة الاستعمارية، خصوصاً في ما يتعلق بالتوسع التدريجي للمجال الذي أصبح لاحقاً يشكل التراب الجزائري بحدوده الحالية.
غير أن قراءة هذه الوثيقة تظل مرتبطة بسياقها التاريخي، إذ إن الحدود والمجالات السياسية في شمال إفريقيا خلال القرن التاسع عشر لم تكن دائماً مطابقة للمفهوم الحديث للدولة والحدود الدولية، كما أن الإدارة الاستعمارية الفرنسية أعادت تنظيم وترسيم أجزاء واسعة من المجال المغاربي وفق مصالحها العسكرية والإدارية.
ويثير الكتاب، بعد مرور أكثر من قرن ونصف على صدوره، اهتماماً متجدداً لدى الباحثين والمهتمين بتاريخ الحدود في المنطقة المغاربية، بالنظر إلى ما يتضمنه من أوصاف للتراب والسلطات والمناطق الخاضعة للإدارة خلال مرحلة التوسع الفرنسي في شمال إفريقيا.

