اعتبر الفنان نسيم حداد أن مشاركته الأولى في مهرجان “موازين.. إيقاعات العالم” تمثل محطة مميزة في مسيرته الفنية، مؤكداً أن هذا الحدث الدولي يشكل فضاءً رحباً لتلاقي الثقافات، وفرصة ثمينة لتقديم التراث المغربي أمام جمهور واسع وعلى منصة عالمية.
وخلال ندوة صحفية عقدها مساء الأحد على هامش حفله الفني بمنصة النهضة، عبّر حداد عن اعتزازه بالوقوف لأول مرة ضمن برمجة المهرجان، مشيراً إلى أن هذه المشاركة تعد “شرفاً كبيراً” ومسؤولية فنية في الوقت نفسه، بالنظر إلى مكانة “موازين” كأحد أبرز المهرجانات الموسيقية الدولية.
وتوقف الفنان المغربي عند اختياره الاشتغال على فن العيطة، موضحاً أن اهتمامه بهذا الموروث الشعبي يعود إلى تأثره بالمدرسة الغيوانية التي استلهمت بدورها من التراث المغربي، إضافة إلى تجربة الراحل الطيب الصديقي في إعادة تقديم الموروث بروح معاصرة. وأكد أن العيطة بالنسبة إليه ليست مجرد لون غنائي، بل تعبير عن الهوية المغربية، ورافد أساسي يمكن أن يساهم في بناء أغنية وطنية حديثة قابلة للتصدير عالمياً.
وفي حديثه عن مساره العلمي، رفض حداد اختزاله في الانتقال من الفيزياء النووية إلى الفن، موضحاً أن تخصصه يرتبط بفيزياء الجسيمات، وأن خلفيته العلمية أكسبته منهجية دقيقة في التفكير، بينما منحه الفن فهماً أعمق للإنسان والمجتمع، معتبراً أن المجالين يتكاملان في تجربته الشخصية.
كما استحضر تجربته مع الفنان الشعبي حجيب في الوثائقي “العيطة… رحلة نغم”، معتبراً أنها شكلت محطة مهمة لإبراز غنى هذا الفن، لافتاً إلى أن الاهتمام المتزايد بالعيطة وظهور برامج متخصصة في الأغنية الشعبية يعكسان تحولاً إيجابياً في نظرة الساحة الفنية لهذا التراث.
وأشار حداد إلى أن التراث المغربي لا يحتاج إلى أشخاص بعينهم ليستمر، بل إلى أجيال جديدة قادرة على حمله وتطويره، مؤكداً أن العيطة كانت وستظل جزءاً حياً من الذاكرة الثقافية المغربية، مهما تغيرت الأجيال والوسائط الفنية.
وكشف الفنان أنه نجح في نقل العيطة من فضاءات تقليدية إلى منصات عالمية كبرى، من بينها “لو غران ريكس” و”دوم دو باريس” و”الأولمبيا” في مونتريال و”سيرك رويال” ببلجيكا، إلى جانب عروض داخل المغرب، معبراً عن طموحه في جعل هذا اللون الموسيقي يحظى بحضور عالمي أوسع.
وبخصوص الجدل حول أجور الفنانين، أوضح أن الجانب المادي يخضع لمنطق العرض والطلب ومنظومة تنظيمية متكاملة، مؤكداً أن الفنان يقدم إبداعه بينما تتكفل باقي الأطراف بالجوانب الاقتصادية والتدبيرية.
كما أشاد بتجربة برنامج “النجم الشعبي”، معتبراً أنها ساهمت في بروز أصوات شابة جديدة، لكنه أوضح أن التزاماته المهنية تمنعه حالياً من الانخراط في لجان التحكيم.
وفي سياق حديثه عن الأجيال الجديدة من فناني العيطة، شدد حداد على أن الجمهور يظل الحكم الحقيقي، وأن الفن يقوم على الإحساس والصدق أكثر من أي معايير تقنية جامدة.
وكشف أيضاً أن أبحاثه في التراث ما تزال مستمرة، موضحاً أن ما تم اكتشافه إلى اليوم لا يمثل سوى جزء بسيط من غنى فن العيطة، الذي لا يزال يحتفظ بكنوزه في مختلف مناطق المغرب، سواء عبر روايات شفوية أو تسجيلات موروثة.
وتطرق الفنان إلى موضوع الذكاء الاصطناعي، معتبراً أنه لا يشكل تهديداً للفنان، بل أداة جديدة يمكن استثمارها في خدمة الإبداع، مشيراً إلى أن تطور وسائل إنتاج الموسيقى عبر التاريخ لم يُلغِ حاجة الإنسان إلى الفن.
وختم نسيم حداد حديثه بتوجيه رسالة إلى جمهور مهرجان “موازين” دعاهم فيها إلى حضور حفله والاستمتاع بالأمسية، معرباً عن سعادته الكبيرة بهذه التجربة الأولى.

