حين تتحول الشراكة الاستراتيجية إلى سلسلة من الاختبارات، يصبح السؤال مشروعاً: هل فهمت مدريد حقيقة العلاقة مع الرباط، أم أنها تعيد إنتاج أخطاء الدبلوماسية الجزائرية بأسلوب أوروبي؟
لم تعد المشكلة في العلاقات المغربية الإسبانية مرتبطة فقط باختلاف وجهات النظر أو بتباين المصالح بين دولتين جارتين، بل أصبحت تتعلق، من وجهة نظر مغربية، بنمط من التفكير الدبلوماسي يثير الاستغراب: كيف يمكن لدولة أوروبية تربطها بالمغرب مصالح استراتيجية عميقة أن تتصرف أحياناً وكأنها لم تستوعب بعد طبيعة هذه الشراكة، ولا الثمن الذي قد تدفعه نتيجة سوء تقديرها؟
إن ما يثير القلق في السلوك الدبلوماسي الإسباني ليس مجرد وجود خلافات مع الرباط، فالخلاف أمر طبيعي في العلاقات الدولية، وإنما احتمال تحول بعض القرارات والتصريحات إلى أدوات للضغط والمناورة، بدل أن تكون مدخلاً إلى التفاهم وبناء الثقة. وهنا تحديداً تبرز أوجه التشابه التي يراها مراقبون مغاربة بين بعض الممارسات الإسبانية والمقاربة الجزائرية في التعامل مع المملكة.
أولاً: حين تصبح المناورة بديلاً عن الرؤية الاستراتيجية
من المفترض أن تقوم العلاقات بين الدول على فهم المصالح المتبادلة، وتقدير وزن الشريك، والتمييز بين الخلافات الظرفية والثوابت الاستراتيجية. لكن المشكلة تبدأ عندما تتعامل دولة مع شريك أساسي بمنطق الاختبار المستمر، وكأن كل أزمة فرصة لانتزاع تنازل جديد أو إعادة ترتيب أوراق الضغط.
وهنا يبرز وجه الشبه مع المقاربة الجزائرية كما يراها الجانب المغربي: الإصرار على إدارة العلاقة من خلال التوتر السياسي، والتمسك بحسابات إقليمية ضيقة، والتعامل مع المغرب باعتباره منافساً ينبغي الحد من نفوذه، بدلاً من النظر إليه باعتباره قوة إقليمية يمكن التعاون معها لتحقيق مصالح مشتركة.
وعندما تظهر في الخطاب أو الممارسة الإسبانية مؤشرات على التعامل مع المغرب بمنطق الضغط أو المزايدة أو ازدواجية الرسائل، يصبح من المشروع التساؤل عما إذا كانت مدريد تستوعب فعلاً خصوصية العلاقة مع الرباط، أم أنها تعتقد أن الموقع الأوروبي أو النفوذ الاقتصادي يمنحانها هامشاً دائماً للمناورة.
إن الخطأ هنا ليس في الدفاع عن المصالح الإسبانية، فهذا حق مشروع، بل في الاعتقاد بأن المصالح الإسبانية يمكن أن تتحقق على حساب الثقة مع المغرب، أو أن الشراكة القائمة ستظل بمنأى عن تداعيات القرارات التي تمس المصالح المغربية.
ثانياً: درس 2021 الذي يبدو أن بعض دوائر مدريد لم تستوعبه
أظهرت الأزمة الدبلوماسية بين المغرب وإسبانيا سنة 2021، التي تفجرت بعد استقبال مدريد إبراهيم غالي للعلاج، أن العلاقات الثنائية لا يمكن إدارتها بمعزل عن الاحترام المتبادل والحساسية المرتبطة بالقضايا السيادية.
وكانت الأزمة بمثابة إنذار استراتيجي واضح: لا يمكن اختزال المغرب في مجرد شريك تجاري أو طرف يُستدعى عند الحاجة إلى ضبط الهجرة أو التعاون الأمني، ثم تُهمَل اعتبارات الثقة عندما تتعارض مع حسابات سياسية أخرى.
وبعد تلك الأزمة، جاء التحول الإسباني المعلن في مارس 2022 بشأن قضية الصحراء، عندما اعتبرت مدريد المبادرة المغربية للحكم الذاتي الأساس الأكثر جدية وواقعية ومصداقية لتسوية النزاع. وكان من المفترض أن يشكل ذلك أساساً لمرحلة جديدة، عنوانها الوضوح والثقة والاستقرار في العلاقات الثنائية.
لكن الاعتراف بأهمية الشراكة لا يكفي إذا لم ينعكس على طريقة تدبير الملفات اليومية. فالدبلوماسية لا تُقاس فقط بالبيانات الرسمية، وإنما أيضاً بمدى الاتساق بين الخطاب والممارسة، وبقدرة المسؤولين على تجنب القرارات التي تعيد إنتاج أزمات كان بالإمكان تفاديها.
ومن هذا المنطلق، فإن أي عودة إلى أساليب المناورة أو ممارسة الضغوط أو إرسال رسائل متناقضة إلى الرباط قد تثير انطباعاً بأن مدريد لم تستخلص جميع الدروس من أزمة 2021، وأنها تريد الاستفادة من الشراكة دون تحمل مسؤولياتها السياسية كاملة.
ثالثاً: هل تعيد إسبانيا إنتاج الأخطاء الجزائرية؟
التشابه المقصود هنا ليس تطابقاً كاملاً بين سياستين مختلفتين، بل تقارب في بعض طرق التفكير التي قد تؤدي إلى نتائج متشابهة.
فالمقاربة الجزائرية تجاه المغرب، وفق القراءة المغربية المنتقدة لها، تتسم بإعطاء الأولوية للتنافس الإقليمي، وبربط ملفات متعددة بالخلاف حول الصحراء، وبالتعامل مع المكاسب الدبلوماسية المغربية باعتبارها تحدياً للتوازنات الإقليمية.
أما إسبانيا، التي ترتبط بالمغرب بعلاقات اقتصادية وأمنية وإنسانية أكثر تشابكاً، فلا مصلحة لها في استنساخ هذا المنطق. ومع ذلك، فإن أي سلوك يقوم على اختبار صبر الرباط، أو التقليل من أهمية مصالحها، أو افتراض أن حاجتها إلى التعاون الأوروبي ستجعلها تقبل باستمرار الضغوط، قد يقود إلى النتيجة نفسها: تراجع الثقة وتصاعد التوتر وتآكل المكاسب المشتركة.
وهنا تكمن المفارقة التي تستحق النقد: كيف يمكن لدولة تدرك أهمية الاستقرار في غرب المتوسط أن تتبنى، ولو في بعض الملفات، أساليب قد تعرقل هذا الاستقرار؟ وكيف يمكن لدبلوماسية يفترض أنها تقوم على الحسابات العقلانية أن تغامر بعلاقة استراتيجية بسبب تقديرات ظرفية أو رهانات سياسية قصيرة الأمد؟
إنها أسئلة لا تستهدف إسبانيا باعتبارها خصماً دائماً للمغرب، بل تنتقد قرارات قد تتعارض مع المصالح الإسبانية نفسها قبل أن تتعارض مع المصالح المغربية.
رابعاً: المغرب ليس ورقة في الحسابات الأوروبية
من الأخطاء التي ينبغي على مدريد تجنبها الاعتقاد بأن العلاقة مع المغرب يمكن أن تُدار بمنطق الحاجة المتبادلة غير المتكافئة، أو أن المصالح الاقتصادية والأمنية ستجعل الخلافات السياسية بلا تكلفة.
فالمغرب ليس مجرد حاجز جغرافي أمام الهجرة، ولا مجرد سوق للشركات الإسبانية، ولا مجرد شريك أمني يمكن استدعاؤه عند الضرورة. إنه دولة ذات خيارات استراتيجية متعددة، وعلاقات دولية متنامية، ومصالح إقليمية ودولية لا تنحصر في الشريك الإسباني.
وهذا لا يعني أن المغرب ينبغي أن يتبنى منطق القطيعة أو الرد بالمثل في كل أزمة، بل إن مصلحته تقتضي بناء علاقات متوازنة تحفظ مصالحه، وتمنع تحويل التعاون إلى أداة للضغط، وتجعل الاحترام المتبادل قاعدة ثابتة لا امتيازاً ظرفياً.
ومن هنا، فإن أفضل رد على أي تقدير إسباني خاطئ ليس الانفعال، بل وضوح الموقف، وتحديد المصالح، وتفعيل الشراكات البديلة، وإبقاء باب الحوار مفتوحاً من موقع الثقة في الخيارات الوطنية.
خامساً: الدبلوماسية الذكية لا تستفز الشريك الذي تحتاج إليه
إن جوهر النقد الموجه إلى بعض الممارسات الدبلوماسية الإسبانية هو أنها قد تنطوي على تناقض بين المصالح المعلنة والوسائل المستخدمة لتحقيقها. فمدريد تحتاج إلى التعاون مع المغرب في ملفات الأمن والهجرة والتجارة والاستقرار الإقليمي، لكنها لا تستطيع في الوقت نفسه افتراض أن هذه الشراكة ستستمر بالقوة الذاتية، مهما تراكمت الخلافات أو تراجعت الثقة.
والدبلوماسية التي لا تميز بين التفاوض المشروع والاستفزاز غير الضروري، أو بين حماية المصالح الوطنية وإثارة الأزمات القابلة للتجنب، تخاطر بتحويل الخلافات المحدودة إلى مشكلات استراتيجية.
وهنا يمكن فهم وصف بعض القرارات بأنها «أفكار غبية» بوصفه حكماً سياسياً على سوء التقدير، لا حكماً على دولة أو شعب. فالمشكلة ليست في الاختلاف مع المغرب، وإنما في اتخاذ قرارات قد تضر بعلاقة تحتاج إليها إسبانيا بقدر ما يحتاج إليها المغرب، وربما أكثر في بعض الملفات الجغرافية والأمنية.
خاتمة: على مدريد أن تختار بين منطق الشراكة ومنطق المناورة
إن تشبيه بعض الممارسات الإسبانية بالمقاربة الجزائرية تجاه المغرب يظل حكماً نقدياً يحتاج إلى ربطه بأمثلة محددة، لكنه يطرح سؤالاً استراتيجياً مشروعاً: هل تريد مدريد علاقة طويلة الأمد مع الرباط تقوم على الثقة والوضوح، أم أنها تقبل بالمخاطرة بهذه العلاقة من أجل مكاسب سياسية ظرفية؟
لقد أظهر التاريخ القريب أن تجاهل الاعتبارات المغربية قد يؤدي إلى أزمات مكلفة، وأن تجاوزها يتطلب أكثر من تصريحات إيجابية أو بيانات دبلوماسية. المطلوب هو انسجام فعلي بين الخطاب والممارسة، واحترام المصالح المتبادلة، والابتعاد عن الحسابات التي تحول كل خلاف إلى معركة نفوذ.
أما المغرب، فليس مطالباً بالقبول بكل ما يصدر عن مدريد حفاظاً على الشراكة، كما أنه ليس مضطراً إلى تحويل كل اختلاف إلى مواجهة. المطلوب هو دبلوماسية مغربية واضحة وحازمة، تميز بين الشريك الذي يختلف في التفاصيل والشريك الذي يحاول فرض الأمر الواقع، وتتعامل مع كل حالة وفق الوقائع والمصالح.
فالخطأ الاستراتيجي الأكبر ليس أن تختلف إسبانيا مع المغرب، وإنما أن تتصرف وكأن بإمكانها الحفاظ على جميع مزايا الشراكة، من دون أن تحافظ على الثقة التي تجعل هذه الشراكة ممكنة.

