يخلد المغرب، اليوم الجمعة، الذكرى الحادية والخمسين للمسيرة الخضراء، في ظرفية استثنائية تتزامن مع تحولات مهمة في مسار قضية الصحراء المغربية، عقب انتهاء ولاية بعثة الأمم المتحدة في الصحراء «المينورسو»، وبداية مرحلة جديدة من تدبير هذا الملف على المستويين الدبلوماسي والميداني.
وتأتي هذه الذكرى في سياق يتسم بتسارع التطورات الأممية والسياسية، خاصة بعد البلاغ الصادر عن الديوان الملكي في 30 أكتوبر الماضي، وجلسة العمل التي ترأسها الملك محمد السادس، يوم الأربعاء 4 نونبر الجاري، والتي خُصصت لتحديد التوجهات والأولويات المغربية خلال مرحلة ما بعد انتهاء مهام البعثة الأممية.
مرحلة ما بعد «المينورسو»
وفي تطور يعكس دخول البعثة الأممية مرحلة جديدة، أعلن جان بيير لاكروا، وكيل الأمين العام للأمم المتحدة لعمليات السلام، خلال مؤتمر صحافي عقده أمس الخميس، أن بعثة «المينورسو» دخلت رسمياً مرحلة التصفية.
وأوضح المسؤول الأممي أن إدارة الدعم العملياتي التابعة للأمم المتحدة، بتنسيق مع فريق أممي مصغر، تتولى الإشراف على عملية الانسحاب، بهدف ضمان إتمامها بشكل منظم ومسؤول، بالنظر إلى انتهاء ولاية البعثة في ظروف لم تكن متوقعة بالكامل.
وأشار لاكروا إلى أن البعثة لم تعد تتوفر، منذ منتصف ليلة 31 أكتوبر، على أي مهمة ميدانية باستثناء ترتيبات انسحابها، وهو ما يعني توقف آليات التحقق من وقف إطلاق النار ومراقبة الحوادث العسكرية، وتحول أولوياتها نحو إخلاء المواقع والتصرف في المعدات والممتلكات.
وكان مجلس الأمن الدولي قد أخفق، يوم الجمعة 30 أكتوبر الماضي، في اعتماد مشروعي قرارين بشأن نزاع الصحراء المغربية؛ إذ حصل المشروع الأمريكي على تأييد 11 عضواً، غير أن استخدام روسيا حق النقض حال دون اعتماده، فيما امتنعت ثلاث دول عن التصويت، من بينها الصين وباكستان.
في المقابل، لم يحظ المشروع الروسي، الذي دعا إلى تمديد ولاية البعثة لمدة سنة دون إدخال أي تعديلات، سوى بتأييد ثلاثة أعضاء، مقابل تصويت الولايات المتحدة ضده وامتناع 11 عضواً، لتنتهي بذلك ولاية «المينورسو» في 31 أكتوبر.
وعقب هذه التطورات، أصدر الديوان الملكي بلاغاً اعتبر فيه أن عدم تمديد ولاية البعثة يشكل محطة ذات دلالة كبيرة في اتجاه الطي النهائي لملف الصحراء داخل الأمم المتحدة، مشيراً إلى أن هذا التطور ينبغي أن يضع حداً لإحالة الملف على مجلس الأمن، وتقارير الأمين العام وإحاطات مبعوثه الشخصي.
وفي الوقت ذاته، جدد البلاغ التأكيد على تمسك المملكة المغربية بوقف إطلاق النار.
توجيهات ملكية لتدبير المرحلة المقبلة
وفي إطار مواكبة التحولات الجديدة، ترأس الملك محمد السادس، يوم الأربعاء الماضي، جلسة عمل بالقصر الملكي بالرباط، بحضور رئيسة الحكومة فاطمة الزهراء المنصوري، والمستشار الملكي فؤاد عالي الهمة، ووزير الداخلية عبد الوافي لفتيت، والفريق أول محمد بريظ، المفتش العام للقوات المسلحة الملكية وقائد المنطقة الجنوبية.
وشكل الاجتماع مناسبة لتأكيد الأولويات التي تضمنها بلاغ الديوان الملكي الصادر في 30 أكتوبر، والمتمثلة في الحفاظ على سلامة التراب الوطني ووحدته، وضمان الأمن الوطني وطمأنينة السكان، خصوصاً بالأقاليم الجنوبية للمملكة.
وأعطى الملك تعليماته من أجل تفعيل هذه الأولويات بكل حزم ويقظة، مع مواصلة تنفيذ المشروع التنموي بالأقاليم الجنوبية والمشاريع المهيكلة المرتبطة به.
كما شدد على أن التزام المغرب بوقف إطلاق النار يظل التزاماً إرادياً وثابتاً، ولن يتأثر بانتهاء ولاية البعثة الأممية.
وفي السياق ذاته، كلف الملك مكتب التنسيق مع «المينورسو»، التابع لوزارة الداخلية، بمهمة التنسيق ومواكبة عملية تصفية البعثة وانسحابها، في إطار من التعاون مع الأمم المتحدة.
وتشير التقديرات الأممية إلى أن عملية تصفية مهام البعثة قد تستغرق نحو شهرين، وتشمل إعادة حوالي 160 مراقباً عسكرياً إلى بلدانهم، وتقليص نحو 180 موظفاً مدنياً، فضلاً عن إغلاق 13 موقعاً.
وتجدر الإشارة إلى أن بعثة «المينورسو» أُحدثت بموجب قرار مجلس الأمن رقم 690 الصادر سنة 1991، بهدف التحضير لاستفتاء لم يتم تنظيمه منذ ذلك الحين.
من المسيرة الخضراء إلى القرار الأممي 2797
وتعود جذور هذا المسار إلى سنة 1975، حين شهد المغرب انطلاق المسيرة الخضراء من مدينة طرفاية يوم 6 نونبر، بمشاركة 350 ألف مغربي ومغربية، في محطة تاريخية جسدت التعبئة الوطنية حول قضية الوحدة الترابية.
وبعد عقود من ذلك، قدم المغرب إلى الأمم المتحدة، بتاريخ 11 أبريل 2007، مبادرة الحكم الذاتي باعتبارها مقترحاً للتفاوض بشأن نظام للحكم الذاتي بالأقاليم الصحراوية، وهي المبادرة التي وصف مجلس الأمن، في قراره رقم 1754، الجهود المغربية بشأنها بأنها جدية وذات مصداقية.
وعرفت القضية بعد ذلك تحولات دبلوماسية متتالية، من بينها اعتراف الولايات المتحدة الأمريكية بسيادة المغرب على الصحراء في دجنبر 2020، قبل أن تعلن إسبانيا وألمانيا دعمهما للمبادرة المغربية.
وفي يوليوز 2024، أكد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، في رسالة وجهها إلى الملك محمد السادس، أن الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية يمثل الإطار الذي ينبغي أن تتم داخله تسوية هذا النزاع، قبل أن تنضم بريطانيا إلى قائمة الدول الداعمة للمقترح المغربي.
وشكل اعتماد مجلس الأمن الدولي للقرار رقم 2797، بتاريخ 31 أكتوبر 2025، محطة بارزة في هذا المسار، بعدما حظي بتأييد 11 عضواً، مقابل امتناع روسيا والصين وباكستان عن التصويت.
وأشار القرار إلى أن حكماً ذاتياً حقيقياً تحت السيادة المغربية يمكن أن يشكل الحل الأكثر نجاعة للنزاع.
وعقب التصويت، وجه الملك محمد السادس خطاباً متلفزاً أعلن فيه عزم المملكة تحيين مبادرة الحكم الذاتي وتفصيلها، وتقديمها إلى الأمم المتحدة باعتبارها أساساً وحيداً للتفاوض، كما تقرر اعتماد يوم 31 أكتوبر من كل سنة عيداً وطنياً للوحدة.
تحيين مبادرة الحكم الذاتي والانتقال إلى مرحلة التنزيل
وعقب اعتماد القرار الأممي، انتقل المغرب إلى مرحلة العمل على تطوير المبادرة المغربية، حيث عقد الديوان الملكي، يوم 10 نونبر 2025، اجتماعاً مع زعماء الأحزاب السياسية للتشاور بشأن تحيين المقترح وتفصيل مضامينه، مع التزام الأحزاب بإعداد مذكرات مفصلة في أقرب الآجال.
وفي فبراير 2026، قدم ناصر بوريطة، وزير الشؤون الخارجية والتعاون الإفريقي والمغاربة المقيمين بالخارج، خلال المفاوضات التي احتضنتها مدريد بوساطة أمريكية، صيغة محينة ومفصلة من مبادرة سنة 2007.
وتحدثت تقارير صحافية، لم تؤكدها وثيقة رسمية منشورة، عن تضمين الصيغة الجديدة حوالي 40 صفحة، تتناول توزيع الاختصاصات والموارد المالية للجهة، إلى جانب ترتيبات عودة السكان.
كما أشار آخر تقرير للأمين العام للأمم المتحدة إلى أن المغرب تقاسم، خلال يناير 2026، مشروع النظام الأساسي للحكم الذاتي مع المبعوث الشخصي للأمين العام، ستافان دي ميستورا، والولايات المتحدة الأمريكية، إلى جانب الجزائر وموريتانيا وجبهة «البوليساريو»، باعتباره أرضية قابلة للتفاوض.
وحدد التقرير مساراً تدريجياً للمفاوضات، ينطلق من اعتماد المقترح المغربي أساساً للمحادثات، مروراً بالبحث في اتفاق إطار للمرحلة الانتقالية، وصولاً إلى بلورة نموذج مفصل للحكم الذاتي.
ورغم هذه التطورات، تظل المرحلة الأخيرة مرتبطة بمآل المفاوضات المقبلة، في ظل عدم الإعلان، إلى حدود الآن، عن جدول زمني محدد لاستكمال هذا المسار.

