صعّد إلياس القصري، السفير التونسي السابق لدى ألمانيا والهند وكوريا الجنوبية واليابان، من انتقاداته للقيادة الجزائرية، معتبراً أن الإعلان عن تفكيك شبكة تضم 61 مواطناً مغربياً بمدينة وهران، قيل إنهم دخلوا الجزائر عبر تونس، يندرج ضمن محاولة توظيف المخاوف الأمنية في خدمة الحسابات السياسية الداخلية، في ظل ما وصفه بتراجع الدبلوماسية الجزائرية بشأن قضية الصحراء المغربية.
وقال القصري، في مقال نشره عبر حسابه الرسمي على موقع «فيسبوك»، إن الرواية التي قدمتها وسائل الإعلام الرسمية الجزائرية تثير تساؤلات بشأن منطقها اللوجستي، معتبراً أن المعطيات المعلنة تستدعي قراءة تتجاوز الرواية الأمنية الرسمية، خصوصاً في ظل التوترات الإقليمية والتحولات التي يعرفها ملف الصحراء المغربية على المستوى الدولي.
وأضاف الدبلوماسي التونسي السابق أن القيادة العسكرية والأمنية الجزائرية تلجأ، بحسب تقديره، إلى إعادة إحياء خطاب «العدو الخارجي» في مواجهة تحديات داخلية وضغوط سياسية ودبلوماسية، مشيراً إلى أن إقحام تونس في هذه القضية يطرح، وفق تحليله، إشكالات تتعلق بسيادة القرار التونسي وحدود التعاون الأمني بين البلدين.
واعتبر القصري أن توظيف الأراضي التونسية باعتبارها نقطة عبور مفترضة في قضية وهران قد يعكس توجهاً جزائرياً نحو توسيع نطاق المقاربة الأمنية لتشمل الجوار، محذراً من أن يتحول التعاون الثنائي إلى وسيلة لفرض حسابات سياسية وأمنية على تونس.
الصحراء المغربية.. تحولات دولية تضيق هامش المناورة الجزائرية
وفي قراءته لخلفيات التصعيد، ربط الدبلوماسي التونسي السابق الموقف الجزائري بالتطورات المتسارعة التي يشهدها ملف الصحراء المغربية داخل الأمم المتحدة، معتبراً أن تنامي الدعم الدولي لمبادرة الحكم الذاتي المغربية يضع الدبلوماسية الجزائرية أمام تحديات متزايدة.
وأشار القصري إلى أن المغرب تمكن، خلال السنوات الأخيرة، من تعزيز موقعه الدبلوماسي بفضل تحركاته وشراكاته الدولية، مستحضراً مواقف داعمة لمبادرة الحكم الذاتي من قوى دولية وازنة، من بينها الولايات المتحدة وفرنسا وإسبانيا.
ويرى الدبلوماسي السابق أن التحول في مواقف عدد من الشركاء الدوليين تجاه المبادرة المغربية يعكس تنامي الاقتناع بضرورة البحث عن حل سياسي واقعي ومستدام للنزاع الإقليمي حول الصحراء، في وقت تواجه فيه الأطروحة الانفصالية التي تدعمها الجزائر تحديات متزايدة على مستوى العلاقات الدولية.
وأضاف أن استمرار الرهان الجزائري على جبهة البوليساريو، رغم التحولات الدبلوماسية والاقتصادية التي تعرفها المنطقة، يطرح تساؤلات حول جدوى سياسة ظلت، بحسب تقديره، تستنزف موارد كبيرة دون أن تقود إلى تسوية نهائية للنزاع.
كما لفت إلى أن افتتاح قنصليات لعدد من الدول الإفريقية في مدينتي العيون والداخلة يعكس توجهاً نحو تعزيز التعاون الاقتصادي والدبلوماسي مع المغرب، ويبرز أهمية الأقاليم الجنوبية للمملكة ضمن رهانات التنمية والشراكة القارية.
اتهامات بتوظيف التوتر الإقليمي لأغراض داخلية
وفي السياق ذاته، اعتبر القصري أن إثارة المخاوف الأمنية المرتبطة بالحدود قد تُستخدم لتبرير تشديد الإجراءات الاستثنائية داخلياً، وربط ذلك بالحسابات السياسية المرتبطة بالاستحقاقات الرئاسية الجزائرية المقبلة.
وذهب إلى أن استمرار التوتر مع المغرب يخدم، وفق قراءته، وظيفة سياسية داخلية، من خلال إبقاء الرأي العام الجزائري في دائرة الانشغال بالتهديدات الخارجية، بدلاً من التركيز على التحديات الاجتماعية والاقتصادية التي تواجه البلاد.
وحذر من أن انعكاسات هذه المقاربة قد لا تقتصر على الجزائر، بل يمكن أن تمتد إلى تونس، التي تخشى، بحسب طرحه، أن تجد نفسها أمام ضغوط تدفعها إلى تبني خيارات أمنية وسياسية لا تنسجم بالضرورة مع مصالحها الوطنية.
دعوة تونس إلى حماية سيادتها والابتعاد عن صراعات الجوار
ودعا السفير التونسي السابق سلطات بلاده إلى إعادة تقييم أوجه التعاون الأمني والعسكري مع الجزائر، مطالباً بحصر هذا التعاون في المجالات التقنية، واستبعاد أي ترتيبات قد تمس باستقلال القرار التونسي أو تفتح الباب أمام تدخلات خارجية.
كما شدد على ضرورة تنويع مصادر الطاقة وتقليص التبعية للغاز الجزائري، معتبراً أن الاستقلال الطاقي يمثل عنصراً أساسياً في تعزيز قدرة تونس على اتخاذ قراراتها السيادية بعيداً عن الضغوط الإقليمية.
وفي ختام مقاله، دعا القصري إلى عودة تونس إلى نهج الحياد الإيجابي في النزاعات الإقليمية، محذراً من تحويلها إلى طرف في مواجهة جيوسياسية بين الجزائر والمغرب.
وخلص إلى ضرورة أن تتعامل تونس بحزم مع أي محاولة، وفق تعبيره، لدفعها إلى الاصطفاف القسري في صراع إقليمي، مؤكداً أهمية حماية سيادتها ومصالحها الوطنية في ظل التحولات التي تعرفها المنطقة المغاربية.
وتأتي هذه التصريحات في سياق استمرار الخلاف المغربي الجزائري بشأن قضية الصحراء، التي يطرح المغرب بشأنها مبادرة الحكم الذاتي تحت سيادته باعتبارها أساساً لحل سياسي، بينما تواصل الجزائر دعم جبهة البوليساريو. وتظل المواقف والتقييمات الواردة في مقال القصري تعبيراً عن وجهة نظره السياسية والدبلوماسية، وليست بحد ذاتها إثباتاً مستقلاً للاتهامات التي تضمنها.

