تواجه فرنسا تداعيات موجة من أعمال العنف والتخريب والنهب، أعقبت احتجاجات واسعة ضد ارتفاع تكاليف المعيشة، بعدما أعلنت السلطات توقيف أكثر من 1800 شخص، وسط مخاوف من تفاقم التوتر الاجتماعي والسياسي قبل ستة أشهر من الانتخابات الرئاسية.
وقال وزير الداخلية الفرنسي، لوران نونييز، الأحد، إن السلطات أوقفت أكثر من 1800 شخص خلال الاحتجاجات التي شهدتها البلاد السبت، مؤكداً فتح تحقيقات لتحديد هوية المتورطين في أعمال التخريب والنهب، تمهيداً لتقديمهم أمام القضاء.
وجاءت هذه التطورات في سياق احتقان اجتماعي متصاعد، تواجه خلاله الحكومة صعوبات سياسية مرتبطة بغياب أغلبية برلمانية، فيما تعهدت السلطات بالتعامل بحزم مع المتورطين في أعمال الشغب.
تخريب ونهب في مدن فرنسية
وشهدت العاصمة باريس وعدد من المدن الكبرى أعمال تخريب طالت متاجر ومؤسسات ومبانٍ عمومية، فيما انتشرت بقايا الحطام وهياكل الدراجات النارية المحترقة في عدد من الشوارع.
وبحسب مراسلي وكالة فرانس برس، نفذت مجموعات من الشبان عمليات نهب بصورة منظمة، بعدما عمد بعض أفرادها، وهم يرتدون أقنعة وقفازات، إلى تعطيل كاميرات المراقبة وتحطيم واجهات المحلات واقتحامها.
وامتدت أعمال التخريب إلى مدن مرسيليا وليل وبوردو، حيث تعرضت مبانٍ تابعة للبلديات والمحافظات لأضرار، بينما أتى حريق على جزء كبير من مبنى بلدية ليموج، وهو مبنى تاريخي يعود إلى القرن التاسع عشر، وفق السلطات المحلية.
وفي مواجهة هذه التطورات، توعد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون بملاحقة المتورطين في أعمال التخريب والاعتداء على المؤسسات والشركات، إلى جانب المشاركين في عمليات النهب.
كما أسفرت المواجهات عن إصابة عدد من الأشخاص، بعضهم بجروح خطيرة. وفي مدينة سانت إتيان، أُصيب شاب يبلغ 17 عاماً إصابة بالغة أدت إلى بتر يده، جراء قنبلة ألقتها الشرطة، بحسب المعطيات الواردة عن الحادث.
من جهته، حذر رئيس الوزراء سيباستيان لوكورنو، عقب زيارة ليلية لقوات الأمن، من خطورة الوضع، معتبراً أن الحصيلة كان من الممكن أن تكون أكثر فداحة.
مئات الآلاف يحتجون على غلاء المعيشة
وبالتوازي مع أعمال العنف، شهدت الاحتجاجات مشاركة واسعة، إذ قدرت وزارة الداخلية عدد المشاركين بنحو 550 ألف شخص، بينما رفع المنظمون التقديرات إلى 800 ألف.
وعبّر المشاركون عن استيائهم من ارتفاع تكاليف المعيشة وتراجع القدرة الشرائية، في ظل الضغوط التي تواجهها الأسر الفرنسية بسبب تكاليف السكن والمصاريف اليومية.
وقالت ريجين مونفروا، وهي مرشدة اجتماعية شاركت في الاحتجاجات، إنها خرجت للتعبير عن رفضها العمل مقابل أجور محدودة، في وقت تتواصل فيه الزيادة في تكاليف الإيجار.
وبحسب مراسلي فرانس برس، بدت أعمال الشغب أكثر حدة من تلك التي رافقت احتجاجات عام 2023 وحركة «السترات الصفراء» خلال عامي 2018 و2019.
انقسام سياسي قبل الانتخابات الرئاسية
وأعادت الأحداث إلى الواجهة التباينات بين القوى السياسية الفرنسية بشأن أسباب الاحتجاجات وحدود التعامل مع أعمال العنف.
وشارك زعيم حزب «فرنسا الأبية»، جان لوك ميلانشون، في تظاهرة بالعاصمة باريس، داعياً إلى الابتعاد عن العنف والتخريب، فيما أعلنت مارين لوبن، زعيمة حزب «التجمع الوطني» اليميني المتطرف، دعمها للشرطة، وانتقدت مواقف اليسار التي اعتبرت أنها تساهم في تبرير العنف.
وتأتي هذه المواجهة السياسية قبل ستة أشهر من الانتخابات الرئاسية، في وقت تشير فيه استطلاعات رأي متعددة إلى احتمال تنافس ميلانشون ولوبن في الجولة الثانية، وفق المعطيات الواردة في التقارير المتعلقة بالاستحقاق.
خسائر اقتصادية مرتقبة
ولا تقتصر تداعيات الأحداث على الجانب الأمني والسياسي، إذ يُتوقع أن تترتب عنها خسائر مالية كبيرة نتيجة الأضرار التي لحقت بالمتاجر والمباني والممتلكات العامة والخاصة.
وحذر رئيس الوزراء سيباستيان لوكورنو من أن الكلفة المالية للأضرار ستكون باهظة، فيما توقع ألكسندر بومبار، رئيس اتحاد التجارة والتوزيع، انعكاسات اقتصادية ومالية كبيرة على الأنشطة التجارية.
وتضع هذه التطورات الحكومة الفرنسية أمام تحديات متزامنة، تتعلق باحتواء الاحتقان الاجتماعي، وضمان الأمن في المدن، والتعامل مع التداعيات الاقتصادية لأعمال التخريب، في مرحلة تسبق الانتخابات الرئاسية المرتقبة.

