بعد خمس سنوات على تولي محمد بولعيش رئاسة جماعة اكزناية بضواحي طنجة، يبرز ملف توزيع الاستثمارات العمومية ضمن أبرز الأسئلة المرتبطة بحصيلة المجلس، في ظل استمرار حاجيات عدد من الأحياء والتجمعات السكنية إلى تحسين البنيات التحتية والخدمات الأساسية، خصوصاً في مجالات الطرق والتطهير السائل والإنارة العمومية والمرافق الاجتماعية.
وخلال الفترة الممتدة من سنة 2021 إلى 2026، أعلنت الجماعة عن إطلاق مجموعة من المشاريع الرامية إلى تأهيل المجال الحضري وتطوير التجهيزات المحلية، شملت تهيئة الشوارع والأزقة، وتطوير كورنيش سيدي قاسم، والحد من مخاطر الفيضانات، فضلاً عن إحداث مرافق رياضية وتعليمية وتجارية، في إطار برامج تنجز بشراكة مع مؤسسات عمومية ومتدخلين ترابيين.
غير أن تعدد المشاريع والاعتمادات المالية المعلن عنها يطرح تساؤلات بشأن مدى انعكاس هذه الاستثمارات على مختلف مناطق الجماعة، ومدى استجابتها لحاجيات السكان، خصوصاً في ظل التوسع العمراني والضغط المتزايد على البنيات التحتية والخدمات الأساسية.
مشاريع معلنة واعتمادات بملايين الدراهم
ضمن الحصيلة التي قدمها المجلس خلال سنة 2023، برزت مشاريع لتهيئة الطرق بعدد من المناطق، من بينها سيدي حساين وبنعجلات، إلى جانب مناطق بعيدة عن مركز الجماعة، فضلاً عن توسيع شبكة الإنارة العمومية وإحداث ملاعب ومرافق اجتماعية.
وفي مارس 2025، أعلن محمد بولعيش عن تخصيص 30 مليون درهم لمشاريع تندرج ضمن البرنامج المندمج لتأهيل المنطقة، إلى جانب رصد 10 ملايين درهم للشطر الثالث من تهيئة واد اكزناية، ومبلغ مماثل لتطوير الكورنيش، فضلاً عن خمسة ملايين درهم لتأهيل سوق بدريون.
وتواصل الإعلان عن اعتمادات مالية إضافية خلال سنة 2026، إذ صادق المجلس، في أبريل الماضي، على تخصيص ثمانية ملايين درهم إضافية لمشاريع التهيئة، لترتفع الكلفة الإجمالية المعلنة لهذه المشاريع إلى أكثر من 40 مليون درهم، وتشمل الطرق ومحيط المستشفى الجامعي ومقر الجماعة والكورنيش.
كما شملت الاعتمادات المعلن عنها ستة ملايين درهم لتأهيل أحياء ناقصة التجهيز في مجال التطهير السائل، ومليون درهم لتأهيل سوق السمارة، ومليوني درهم لتأهيل محيط سوق بدريون.
ورغم أهمية هذه الأرقام، فإنها لا تقدم، بمفردها، صورة دقيقة عن الحصيلة المالية والتنموية للجماعة، ما دامت لا توضح بشكل تفصيلي حجم النفقات التي جرى صرفها فعلياً، ونسب تقدم الأشغال، والتوزيع الجغرافي للمشاريع بحسب الأحياء والمناطق المستفيدة.
مناطق لا تزال بحاجة إلى التجهيز
يكتسب النقاش حول التوزيع المجالي للاستثمارات أهمية إضافية بالنظر إلى إعلان الجماعة، خلال أكتوبر 2025، عن برنامج ميداني لإحصاء المناطق التي تفتقر إلى الربط بشبكتي الماء والتطهير السائل.
وشملت العملية مناطق اكزناية والفريحيين وأشوقرش وبدريون وبني سعيد وبنعجلات وعين العسل وخندق الزرزور وهوارة والحجريين، في خطوة تروم تحديد الخصاص في التجهيزات الأساسية ورصد المناطق التي تحتاج إلى تدخلات إضافية.
ويطرح هذا المعطى تساؤلات حول مدى تقدم معالجة الاختلالات المسجلة بهذه المناطق، ومدى ارتباط الاستثمارات التي أُعلن عنها خلال السنوات الماضية بحجم الحاجيات الفعلية للسكان، خصوصاً في المناطق التي لا تزال تنتظر استكمال تجهيزاتها الأساسية.
فالتحدي لا يرتبط فقط بإطلاق مشاريع جديدة أو الإعلان عن أغلفة مالية مهمة، بل يتصل أيضاً بمدى قدرة هذه المشاريع على تقليص الفوارق بين الأحياء وتحسين ظروف العيش بصورة ملموسة.
مرافق جديدة في انتظار الانتقال إلى التنفيذ
وفي سياق متصل، صادق المجلس خلال دورة أكتوبر 2026 على إجراءات مرتبطة بنزع ملكية عقارات لإنجاز مرافق عمومية، من بينها ملاعب للقرب ببني سعيد، وفضاءات عمومية بالحجريين، ومؤسسات تعليمية ومرافق أخرى بمركز اكزناية.
وتعكس هذه القرارات توجهاً نحو توسيع العرض من التجهيزات الجماعية، غير أن تقييم أثرها يظل مرتبطاً بمآل المساطر العقارية، ومدى تقدم مراحل الإنجاز، وتاريخ دخول هذه المرافق حيز الاستعمال، فضلاً عن عدد السكان الذين ستستفيدون منها.
وبين المشاريع المنجزة والأوراش التي لا تزال في طور التنفيذ، والبرامج التي لم تتجاوز بعد مرحلة البرمجة أو الإجراءات الإدارية، تبرز الحاجة إلى تقديم معطيات دقيقة تميز بين الاعتمادات المرصودة والنفقات المؤداة فعلياً، وبين المشاريع المعلن عنها وتلك التي تحولت إلى منجزات على أرض الواقع.
الحاجة إلى خريطة واضحة للاستثمارات
في ضوء هذه المعطيات، يبرز مطلب الكشف عن حصيلة مفصلة للاستثمارات العمومية بجماعة اكزناية خلال الفترة الممتدة من 2021 إلى 2026، تتضمن الكلفة المالية لكل مشروع، وموقعه الجغرافي، ومصدر تمويله، ونسبة إنجازه، والمبالغ التي جرى صرفها، فضلاً عن عدد السكان المستفيدين منه.
ومن شأن نشر هذه المعطيات أن يتيح تقييماً أكثر موضوعية لحصيلة المجلس، ويساعد على تحديد مدى التوازن في توزيع المشاريع بين مركز الجماعة والمناطق المحيطة به، وبين الأحياء التي تتوفر على تجهيزات أساسية وتلك التي لا تزال تعاني خصاصاً في البنيات التحتية والخدمات.
كما يطرح الملف سؤالاً بشأن المعايير المعتمدة في ترتيب أولويات الإنفاق، ومدى استنادها إلى الكثافة السكانية وحجم الخصاص في التجهيزات الأساسية ومستوى الحاجيات الاجتماعية، بما يضمن توجيه الاستثمارات إلى المناطق الأكثر احتياجاً.
وبعد خمس سنوات من تولي محمد بولعيش رئاسة جماعة اكزناية، لم يعد تقييم الحصيلة مرتبطاً فقط بعدد المشاريع التي أُعلن عنها أو بحجم الاعتمادات المالية المرصودة لها، بل بمدى تنفيذها وفعاليتها وقدرتها على تحسين الخدمات وتقليص الفوارق المجالية.
ويبقى السؤال الجوهري المطروح هو: كم أنفقت الجماعة فعلياً في كل منطقة من مناطق اكزناية خلال هذه الفترة، وهل عكس توزيع الاستثمارات حجم الخصاص الذي تعاني منه الأحياء والتجمعات السكنية؟

