في وقت تتناقل فيه وسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي مشاهد التخريب والاحتجاجات العنيفة التي تشهدها بعض المدن الأوروبية، يجد المغرب نفسه أمام فرصة جديدة لإبراز قيمة الاستقرار الذي تنعم به المملكة، وما يوفره من أمن وطمأنينة للمواطنين، في عالم تتزايد فيه التوترات الاجتماعية والسياسية وتتسع فيه بؤر الاضطراب.
فالمشاهد القادمة من بعض العواصم والمدن الأوروبية، بما تتضمنه من مواجهات في الشوارع وتخريب للممتلكات وإحراق للسيارات واعتداءات على المرافق العامة، تذكر بأن التقدم الاقتصادي والتطور العمراني لا يكفيان وحدهما لضمان راحة المواطنين، وأن الأمن والسلم الاجتماعي يظلان من أهم مقومات الحياة الكريمة.
وفي المقابل، يواصل المغرب الحفاظ على استقراره وأمنه، في ظل مؤسسات قائمة وحضور أمني يساهم في حماية المواطنين وضمان استمرارية الحياة اليومية. ويستطيع المواطن المغربي أن يمارس أنشطته المهنية والتجارية، وأن يتنقل بين المدن، وأن يرتاد الفضاءات العامة، في أجواء يسودها الاستقرار، وهي مكتسبات قد تبدو عادية في الحياة اليومية، لكنها تكتسب قيمة أكبر عند مقارنتها بالمشاهد التي تبرز فيها الفوضى والعنف في أماكن أخرى من العالم.
ولا يتعلق الأمر بمجرد مقارنة بين شوارع هادئة وأخرى مضطربة، بل بقيمة الاستقرار في حد ذاته، باعتباره أساسا لممارسة الحقوق والحريات، وجذب الاستثمارات، وتشجيع السياحة، وخلق فرص الشغل، وضمان استمرار الخدمات والمرافق العمومية. فحيث يسود الأمن، تتوفر شروط أفضل للعمل والإنتاج والتخطيط للمستقبل، بينما تفرض الفوضى أثمانا باهظة على الاقتصاد والمجتمع، ويكون المواطن البسيط أول المتضررين منها.
المغرب.. الاستقرار نعمة لا ينبغي الاستهانة بها
لقد راكم المغرب خلال السنوات الماضية مكتسبات مهمة على مستوى الأمن والاستقرار المؤسساتي، مكنته من مواصلة أوراش التنمية، وتعزيز بنياته التحتية، وتطوير مدنه، واستقطاب مشاريع استثمارية وسياحية، رغم التحديات الاقتصادية والاجتماعية التي تواجهها المملكة، شأنها شأن دول أخرى.
ولا يعني ذلك أن الحياة في المغرب خالية من الصعوبات، أو أن جميع المواطنين يتمتعون بالمستوى نفسه من الرفاه، فهناك مطالب اجتماعية وانتظارات مرتبطة بالتشغيل والصحة والتعليم والقدرة الشرائية، وهي قضايا تستحق المعالجة الجادة. غير أن وجود هذه التحديات لا يلغي قيمة الأمن الذي تنعم به البلاد، ولا يبرر المجازفة به أو التعامل معه باعتباره أمرا مضمونا إلى الأبد.
فالمغرب الذي يواصل مساره التنموي يحتاج إلى بيئة مستقرة تتيح له استكمال مشاريعه الكبرى، وتحسين ظروف عيش المواطنين، وتوسيع فرص الاستثمار، وتعزيز مكانته الإقليمية والدولية. وأي تهديد للسلم الاجتماعي من شأنه أن ينعكس سلبا على هذه الأوراش، ويؤثر في مصالح المواطنين قبل غيرهم.
أحداث أوروبا.. درس للمغاربة في قيمة الأمن
إن ما تشهده بعض الدول الأوروبية من أحداث عنف وتخريب، متى تأكدت ظروفه وسياقاته، ينبغي أن يدفع المغاربة إلى التأمل في قيمة الاستقرار الذي يعيشونه، لا إلى التشفي في المجتمعات الأخرى أو التقليل من شأنها. فكل دولة تواجه تحدياتها الخاصة، لكن الدرس المشترك يظل واضحا: عندما تتصاعد التوترات ويتراجع الحوار وتتحول الخلافات إلى مواجهات، يصبح الجميع مهددا بالخسارة.
ومن هذا المنطلق، فإن الحفاظ على استقرار المغرب مسؤولية وطنية مشتركة، لا تقتصر على المؤسسات الأمنية والإدارية، بل تشمل أيضا المواطنين والإعلام والأحزاب السياسية ومختلف مكونات المجتمع. فالكلمة المسؤولة، والتحقق من الأخبار، ورفض التحريض على العنف، والاحتكام إلى القانون، كلها عناصر تساهم في حماية السلم الاجتماعي.
كما أن مواقع التواصل الاجتماعي أصبحت مجالا لتداول صور ومقاطع من أحداث تقع في بلدان مختلفة، وقد يجري أحيانا توظيفها لتضخيم المخاوف أو نشر معلومات غير دقيقة أو تأجيج مشاعر الغضب. لذلك، يحتاج المغاربة إلى الوعي بخطورة الأخبار المفبركة والخطابات التي تدفع نحو الفتنة، مع التمييز بين النقد المشروع والدعوات التي تحرض على التخريب أو الاعتداء على الآخرين.
لا للتخريب.. نعم للإصلاح في مغرب آمن ومستقر
إن الانحياز إلى المغرب يعني الدفاع عن أمنه واستقراره، والاعتزاز بمكتسباته، والإيمان بقدرته على مواصلة التنمية، لكنه يعني أيضا الحرص على تحسين ظروف العيش والاستجابة للمطالب الاجتماعية المشروعة. فالوطن القوي ليس الذي يغيب فيه النقد، بل الذي يستطيع معالجة الاختلافات بالحوار والإصلاح، بعيدا عن العنف والفوضى.
ومن حق المغاربة أن يطالبوا بمدارس أفضل، ومستشفيات أكثر جودة، وفرص شغل أوسع، وعدالة اجتماعية أكبر، ومن واجب المؤسسات أن تتفاعل مع هذه الانتظارات بجدية وفعالية. لكن الطريق إلى تحقيق هذه المطالب يمر عبر العمل المسؤول والإصلاح والمشاركة المدنية، لا عبر تخريب الممتلكات أو نشر الكراهية أو الدفع نحو مواجهات قد يدفع المجتمع بأكمله ثمنها.
إن الاستقرار الذي ينعم به المغرب يشكل رصيدا وطنيا ثمينا، والحفاظ عليه لا يتعارض مع الطموح إلى حياة أفضل، بل يمثل شرطا أساسيا لتحقيق هذا الطموح. فالأمن يمنح المواطن القدرة على العمل والتعلم والتجارة والاستثمار وتربية أبنائه في بيئة أكثر طمأنينة، ويمنح البلاد فرصة مواصلة البناء والتقدم.
وفي زمن تتوالى فيه مشاهد الاضطرابات في مناطق مختلفة من العالم، تظل الرسالة الأهم للمغاربة واضحة: احموا استقرار وطنكم، وتمسكوا بالسلم والحوار، ولا تسمحوا للتحريض والتضليل بأن يتحولا إلى وقود للفتنة.
فالمغرب يستحق أن يواصل مساره في الأمن والتنمية، ومواطنوه يستحقون حياة أفضل ومزيدا من الفرص والعدالة الاجتماعية. وبين الاعتزاز بالوطن والمطالبة بإصلاحه، لا يوجد تعارض؛ بل إن الوعي بقيمة السلام هو ما يجعل الحفاظ عليه مسؤولية جماعية، حتى يبقى المغرب بلدا آمنا مستقرا، وقادرا على بناء مستقبل أكثر ازدهارا لأبنائه.

