شهدت مدن فرنسية عدة، السبت، موجة جديدة من الاحتجاجات الاجتماعية رفضا لارتفاع تكاليف المعيشة وتراجع القدرة الشرائية، وسط تعبئة أمنية واسعة شملت نحو 70 ألف شرطي ودركي، تحسبا لتجدد أعمال العنف والتخريب التي رافقت احتجاجات الأسبوع الماضي.
وأعلنت السلطات الفرنسية توقيف 135 شخصا إلى حدود الساعة الواحدة بعد الظهر، فيما بلغ عدد المشاركين في الاحتجاجات نحو 35 ألف شخص، مقابل 60 ألفا خلال الفترة نفسها من السبت الماضي، وفق حصيلة أولية قدمها وزير الداخلية لوران نونيز، الذي أكد عدم تسجيل حوادث كبرى حتى ذلك التوقيت.
ورصدت الأجهزة الأمنية 136 تحركا احتجاجيا في مختلف أنحاء البلاد، مقابل 264 تحركا قبل أسبوع، بالتزامن مع تشديد إجراءات المراقبة والتفتيش وتأمين المحلات التجارية والمرافق العامة.
وفي باريس، فرضت السلطات انتشارا أمنيا مكثفا بساحة الباستيل، بعدما منعت تنظيم المظاهرة في مسارها الأصلي، واقترحت مسارا بديلا بين بوابتي إيطاليا وفانسين. وجاء القرار عقب رفض المحكمة الإدارية الطعن الذي تقدم به المنظمون، فيما وافقت النقابات على تغيير نقطة الانطلاق تفاديا للمخاطر الأمنية.
وفي مدينة ليون، استخدمت الشرطة الغاز المسيل للدموع لتفريق نحو 150 متظاهرا تجمعوا في منطقة محظورة على الاحتجاجات، بعدما حاولوا قطع الطريق بالقرب من مبنى جامعي ومركز للشرطة. كما شهدت مرسيليا انتشارا مكثفا لقوات مكافحة الشغب، مع الاستعانة بعربات مصفحة وصهريج للمياه.
وامتدت الإجراءات الأمنية إلى مدن أخرى، بينها ميلوز ونانسي وبزانسون، بينما لجأ عدد من أصحاب المتاجر في باريس ورين إلى تحصين واجهات محلاتهم بألواح خشبية، خشية تكرار عمليات النهب والتخريب التي شهدتها احتجاجات الأسبوع الماضي، والتي تضمنت إحراق مبنى بلدية ليموج.
وتشارك في هذه التحركات نقابات عمالية وتنظيمات طلابية وتلاميذ الثانويات، إلى جانب ناشطين من حركة «السترات الصفراء»، الذين يطالبون بتحسين القدرة الشرائية ورفع مستوى الخدمات العمومية وتحقيق العدالة الضريبية والاجتماعية.
ودعا ممثلو الحركة إلى تنظيم يوم احتجاجي جديد في 31 أكتوبر الجاري، يتضمن اعتصامات أمام مقر الجمعية الوطنية ومقار البلديات في مختلف أنحاء البلاد، احتجاجا على ما وصفوه بالتضييق على الحريات العامة والقيود المفروضة على حق التظاهر.
وبالتوازي مع الاحتجاجات الاجتماعية، شهدت مدينة أورليان مظاهرة مناهضة لحزب «التجمع الوطني» اليميني المتطرف، تزامنا مع انعقاد مؤتمر للحزب بقيادة مارين لوبن. وقدرت السلطات عدد المشاركين في المظاهرة بنحو 11 ألف شخص عند منتصف النهار، بينما رفع المنظمون العدد إلى 26 ألفا، وسط إجراءات أمنية مشددة وقرار بفرض حظر تجول ليلي على القاصرين دون 15 عاما إلى صباح الاثنين.
وتأتي هذه التطورات قبل نحو ستة أشهر من الانتخابات الرئاسية الفرنسية، وفي ظل استمرار الضغوط المرتبطة بارتفاع تكاليف المعيشة وتزايد المطالب بتحسين الأجور والخدمات العمومية، بالتزامن مع الاستعداد لمناقشة مشروع ميزانية سنة 2027.
وكان الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون قد استقبل، الجمعة، ممثلين عن التنظيمات الطلابية للمرة الأولى منذ انطلاق موجة الاحتجاجات، متعهدا باتخاذ إجراءات ملموسة بحلول الاثنين، كما أرجأ زيارة كانت مقررة إلى نيجيريا والسنغال بين 28 و31 أكتوبر الجاري.
وتتزامن الاحتجاجات مع تحديات اقتصادية تواجه فرنسا، في مقدمتها ارتفاع الدين العمومي وضغوط المالية العامة، فيما أبقت وكالة «موديز» للتصنيف الائتماني على التصنيف السيادي للبلاد دون تغيير، استنادا إلى توقعات بإقرار ميزانية لعام 2027 تتضمن تدابير لتقليص عجز الميزانية.

