يواصل المغرب، بقيادة الملك محمد السادس، تنزيل استراتيجية مينائية طويلة الأمد، تروم تعزيز موقع المملكة في المبادلات التجارية الدولية وترسيخ مكانتها كقوة بحرية في حوض البحر الأبيض المتوسط، من خلال مشاريع كبرى تتقدمها موانئ طنجة المتوسط والناظور غرب المتوسط، إلى جانب مشروع طنجة المتوسط 3.
وتجسد هذه المشاريع امتداد رؤية ملكية انطلقت سنة 2002 مع إطلاق مشروع طنجة المتوسط، لتتواصل عبر تطوير بننيات تحتية مينائية وصناعية وطاقية تستهدف تعزيز تنافسية الاقتصاد الوطني، واستقطاب الاستثمارات، وخلق فرص الشغل، وتحقيق تنمية ترابية مستدامة.
وفي هذا السياق، أعادت جلسة العمل التي ترأسها الملك محمد السادس، الأربعاء بالقصر الملكي بالرباط، والمخصصة لتقدم أشغال ميناء الناظور غرب المتوسط ومشروع طنجة المتوسط 3، التأكيد على الأبعاد الاقتصادية والاجتماعية لهذه الأوراش، وضرورة ضمان استفادة الأقاليم المعنية وساكنتها من آثارها التنموية.
الناظور غرب المتوسط.. قطب اقتصادي وطاقي جديد
يمثل مشروع الناظور غرب المتوسط أحد أبرز الأوراش الاستراتيجية التي تراهن عليها المملكة لتعزيز الجاذبية الاقتصادية لجهة الشرق، بعدما بلغت الاستثمارات العمومية والخاصة المعبأة لإنجازه حوالي 54 مليار درهم.
ومن المرتقب أن تدخل المحطة الأولى للحاويات حيز الاستغلال خلال الأيام المقبلة، بطاقة استيعابية تصل إلى 3,5 ملايين حاوية، على أن تدخل محطة ثانية، بطاقة 1,8 مليون حاوية، الخدمة في أبريل 2027.
ولا تقتصر أهمية المشروع على الأنشطة المينائية والتجارية، بل تمتد إلى المجال الطاقي، من خلال منشآت تخزين المحروقات ومحطة للغاز الطبيعي المسال، يُرتقب أن تصل قدرتها على المعالجة إلى خمسة مليارات متر مكعب سنويا، بما يعزز الأمن الطاقي للمملكة.
وعلى مستوى التشغيل، يُنتظر أن يسهم المركب المينائي والصناعي في إحداث 14 ألف منصب شغل مباشر و20 ألف منصب غير مباشر على المدى القريب، بما يفتح آفاقا جديدة أمام الكفاءات المحلية والشباب الباحثين عن فرص الاندماج المهني.
طنجة المتوسط 3.. تعزيز القدرات التنافسية للمملكة
بموازاة ذلك، يشكل مشروع طنجة المتوسط 3 امتدادا للدينامية التي أطلقها المركب المينائي لطنجة المتوسط، باستثمار يناهز ثمانية مليارات درهم، وبقدرة استيعابية إضافية متوقعة تبلغ 4,5 ملايين حاوية سنويا.
ومن شأن هذا المشروع أن يعزز مكانة طنجة المتوسط ضمن المراكز اللوجستية والتجارية الكبرى، فيما يُرتقب أن تصل الطاقة الاستيعابية الإجمالية للمركب إلى 20 مليون حاوية على المدى البعيد، في سياق طموح المغرب إلى الارتقاء بتموقعه ضمن أكبر الموانئ العالمية.
التنمية المحلية في صلب الرؤية الملكية
ولا تنحصر رهانات هذه المشاريع في حجم الاستثمارات أو قدرات معالجة الحاويات، بل تشمل أيضا انعكاساتها على النسيج الاقتصادي والاجتماعي، من خلال خلق فرص العمل وتطوير الكفاءات وتحفيز الأنشطة الصناعية والخدماتية المرتبطة بالموانئ.
وفي هذا الإطار، شدد الملك محمد السادس على ضرورة أن تنعكس الآثار الاقتصادية والاجتماعية لهذه الأوراش على مجموع الأقاليم المعنية، وأن تستفيد منها الساكنة المحلية، مع تسريع تفعيل برامج تكوينية تستجيب لحاجيات الأنشطة الجديدة وتسهل إدماج الشباب في سوق الشغل.
وتعكس هذه التوجيهات توجها يروم ربط الاستثمار في البنيات التحتية بتحقيق نتائج ملموسة على مستوى التشغيل والتنمية وتحسين ظروف عيش المواطنين.
ومن طنجة المتوسط إلى الناظور غرب المتوسط، وصولا إلى مشروع طنجة المتوسط 3، يواصل المغرب بناء منظومة مينائية متكاملة، تجمع بين تعزيز التنافسية الاقتصادية، وتوسيع الانفتاح على الأسواق الدولية، وتقوية الأمن الطاقي، وخلق فرص جديدة للتنمية.
وهي استراتيجية تتجاوز إنجاز الموانئ وتوسيع قدراتها، لتجسد رؤية ملكية ممتدة تجعل من الواجهة البحرية للمملكة رافعة للاندماج في الاقتصاد العالمي، وأداة لتعزيز السيادة الاستراتيجية وتحقيق تنمية أكثر توازنا بين جهات البلاد.

