تتجه الأحزاب السياسية المغربية إلى مراجعة أولوياتها وبرامجها الاقتصادية في أفق قريب، تفاعلاً مع مضامين الخطاب الملكي بمناسبة الذكرى السابعة والعشرين لعيد العرش، لاسيما ما يتعلق بتعزيز السيادة الاقتصادية، وتحفيز الاستثمار، وترسيخ العدالة المجالية والحد من الفوارق بين الجهات.
وفي هذا السياق، كشفت معطيات متطابقة استقتها جريدة هسبريس من مصادر حزبية، عن حركية متسارعة داخل مختلف التشكيلات السياسية، سواء في صفوف الأغلبية أو المعارضة، بهدف مواءمة برامجها مع التوجيهات الملكية الواردة في خطاب 29 يوليوز 2026، والعمل على ترجمتها إلى سياسات ميدانية ملموسة.
وفي تصريح لهسبريس، أكد محمد شوكي، رئيس حزب التجمع الوطني للأحرار، أن الرؤية الاقتصادية الوطنية تسعى باستمرار إلى تكريس السيادة الاقتصادية، مبرزاً أن المغرب نجح، بفضل التراكمات السابقة والأداء الحكومي الحالي، في تحقيق مؤشرات ماكرو-اقتصادية متوازنة ومستدامة، ساهمت في تعزيز استقلالية القرار الاقتصادي.
غير أن شوكي أقر باستمرار التفاوتات المجالية، موضحاً أن بعض الجهات لا تزال تعاني من ضعف مؤشرات التنمية وارتفاع معدلات البطالة، رغم تحقيق نمو اقتصادي على المستوى الوطني، وهو ما يؤثر على جودة عيش المواطنين ويطرح تحديات على مستوى حكامة التنمية.
وأشار إلى أن الخطاب الملكي كان حازماً في رفض استمرار “مغرب بسرعتين”، مستحضراً الدعوة إلى تنزيل برنامج طموح يمتد لثماني سنوات، بغلاف مالي مهم يتجاوز الزمن الحكومي والتشريعي، بهدف تحقيق تنمية متوازنة وشاملة.
وأضاف أن حزب التجمع الوطني للأحرار يعمل على إدماج هذه التوجيهات ضمن برنامجه، مع التركيز على إشراك الفاعلين الاقتصاديين، خاصة القطاع الخاص والمؤسسات البنكية والمالية، في تمويل وتنفيذ المشاريع التنموية بروح مواطِنة، معتبراً أن التنسيق بين مختلف المتدخلين يظل ركيزة أساسية لإنجاح السياسات العمومية.
من جهته، أفاد مصدر من المكتب السياسي لحزب الأصالة والمعاصرة بأن الحزب يستعد لعقد اجتماع حاسم خلال الأيام القليلة المقبلة، لمناقشة التوجهات الاقتصادية الجديدة وتحيين برنامجه الحزبي بما ينسجم مع مضامين الخطاب الملكي.
في المقابل، شددت نبيلة منيب، القيادية في الحزب الاشتراكي الموحد، على ضرورة إرساء شروط حقيقية للتنافسية الاقتصادية، من خلال محاربة الريع والاحتكار والفساد، الذي يكلف الدولة، حسب تقديرها، أزيد من 50 مليار درهم سنوياً.
ودعت منيب إلى إصلاحات عميقة تشمل الإدارة والمنظومة التعليمية والقضاء، إلى جانب تعزيز فصل السلط وربط المسؤولية بالمحاسبة، مع إعطاء الأولوية للنهوض بالجهات المهمشة وتأهيل المدرسة العمومية لضمان جودة التكوين وتحسين فرص إدماج الشباب.
كما أبرزت أهمية دعم المقاولات الصغرى والمتوسطة، التي تشكل العمود الفقري للاقتصاد الوطني، محذرة في الوقت ذاته من مخاطر خوصصة المؤسسات العمومية الاستراتيجية، لما لذلك من تأثير مباشر على السيادة الاقتصادية واستقلالية القرار الوطني.
واعتبرت أن ارتفاع المديونية إلى مستويات تفوق 70 في المائة من الناتج الداخلي الخام يفرض ضغوطاً متزايدة، داعية إلى الحفاظ على الأصول الاستراتيجية للدولة ووقف ما وصفته بـ”نزيف التفويت”.
وفي السياق ذاته، أكد مصدر من حزب الحركة الشعبية أن الحزب بصدد دراسة مضامين الخطاب الملكي، خاصة ما يتعلق بالعدالة المجالية وتحفيز الاستثمار وتعزيز السيادة الاقتصادية، مشيراً إلى أن المشاورات الجارية تهدف إلى تحيين البرنامج الحزبي وتطوير أداء هياكله التنظيمية.
وأضاف أن نجاح السياسات العمومية رهين بوجود آليات تنزيل فعالة وبرامج عملية تستجيب لتطلعات المواطنين، مؤكداً أن الأحزاب مطالبة اليوم بلعب دور محوري في ترجمة التوجيهات الكبرى للدولة إلى مشاريع واقعية ذات أثر مباشر على التنمية.

