شهدت أساليب التعبئة المرتبطة بمحاولات الهجرة غير النظامية نحو سبتة تحولا ملحوظا، حيث انتقلت من الصفحات العلنية على مواقع التواصل الاجتماعي إلى مجموعات مغلقة عبر تطبيقات المراسلة، في خطوة تجعل رصد هذه الدعوات والتحقق من الجهات الواقفة وراءها أكثر صعوبة.
وتُظهر متابعة المحتوى المتداول أن الصفحات المفتوحة لم تعد تؤدي دور التنسيق الرئيسي، بل أصبحت مجرد وسيلة لاستقطاب المهتمين وتوجيههم نحو مجموعات خاصة على تطبيقات مثل واتساب، حيث يتم تبادل المواعيد والمعلومات، غالبا بعيدا عن أي رقابة أو تحقق.
ويأتي هذا التحول عقب التدفق الكبير الذي عرفته سبتة نهاية شهر يوليوز، حين ساهمت منشورات ومقاطع فيديو ومعلومات مضللة في دفع أعداد كبيرة من الأشخاص نحو مدينة الفنيدق والمناطق الحدودية.
وفي هذا السياق، كشف موقع التحقق الإسباني «مالديتا» أنه تمكن من الولوج إلى مجموعات على واتساب وفيسبوك وإنستغرام، يتم داخلها تداول دعوات لمحاولة عبور جديدة مرتقبة يوم 15 غشت. وأوضح المصدر ذاته أن لقطات الشاشة المتداولة حقيقية، غير أنها لا تثبت وجود قيادة موحدة أو قدرة فعلية على تنفيذ هذه التحركات.
وعادة ما تبدأ عملية التعبئة بمنشور علني بسيط يحمل طابعا عاطفيا أو يحدد موعدا، قبل أن يُدعى المتابعون للانضمام إلى مجموعات مغلقة. داخل هذه الفضاءات، تتوسع النقاشات ويتبادل الأعضاء معلومات يصعب التأكد من دقتها.
من جهتها، رصدت صحيفة «إلباييس» نقاشات تضم آلاف المستخدمين حول احتمال تنظيم محاولة جديدة لدخول سبتة، حيث تباينت الآراء بين من يشجع على المشاركة ومن يحذر من المخاطر والخسائر البشرية، وسط شكوك بشأن استغلال شبكات التهريب لهذه المجموعات لاستقطاب مرشحين للهجرة.
ويمنح الانتقال إلى المجموعات المغلقة منظمي هذه الدعوات قدرة أكبر على التحكم في المحتوى والعضوية، كما يحد من إمكانية وصول الصحافيين والباحثين وحتى السلطات إلى هذه المعلومات في مراحل مبكرة، مقارنة بالمنشورات العلنية التي يسهل تتبعها وأرشفتها.
وأفادت تقارير إسبانية برصد عشرات المحادثات التي تروج لمحاولة جديدة، ما دفع حكومة سبتة إلى نقل مخاوفها إلى السلطات المركزية. ومع ذلك، تبقى هذه الدعوات خليطا من الشائعات والتحريض والنقاشات العفوية، دون وجود أدلة واضحة على قيادة موحدة تديرها.
وتعكس طبيعة هذه الرسائل نمطا من التعبئة الشبكية دون قيادة ظاهرة، حيث تبدأ الدعوة من حساب مجهول، ثم تنتشر عبر إعادة النشر، قبل أن تنتقل إلى مجموعات خاصة وتكتسب زخما عبر التكرار، ما يتيح لمروجيها هامشا للإنكار أو حذف المحتوى لاحقا.
كما تستغل هذه الشبكات الغموض المحيط بالإجراءات القانونية في إسبانيا، عبر تقديم معلومات مضللة توحي بأن الوصول إلى سبتة يضمن البقاء داخل الأراضي الإسبانية، وهو ما يحول الأخبار غير الدقيقة إلى قناعات جماعية يصعب تصحيحها.
ورغم العدد الكبير للأعضاء داخل هذه المجموعات، فإن ذلك لا يعني بالضرورة نية الجميع في المشاركة، إذ ينضم البعض بدافع الفضول أو البحث عن المعلومات، بينما يحاول آخرون التحذير من المخاطر. وبالتالي، يظل من الصعب تقدير حجم التحركات الفعلية اعتمادا على النشاط الرقمي فقط.
ويضع هذا التحول السلطات أمام تحديات جديدة، أبرزها رصد هذه الدعوات قبل انتقالها إلى الواقع، والتصدي للمعلومات المضللة عبر نشر معطيات دقيقة وسريعة. كما يفرض على وسائل الإعلام التعامل بحذر مع هذه المضامين، وتجنب إعادة نشرها بشكل يساهم في توسيع انتشارها، مع التركيز على تفكيكها وكشف خلفياتها.

