الدبلوماسية المغربية تؤكد أن تسوية النزاع تمر عبر الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية، وتدعو الأطراف المعنية إلى الانخراط الجاد في مفاوضات تفتح آفاق الاستقرار والتنمية بالمنطقة.
نيويورك – جدّد السفير الممثل الدائم للمملكة المغربية لدى الأمم المتحدة، عمر هلال، التأكيد على قوة الموقف المغربي بشأن قضية الصحراء، معتبراً أن قرار مجلس الأمن رقم 2797 يشكل محطة مفصلية في مسار التسوية السياسية للنزاع الإقليمي، ويعزز مكانة المبادرة المغربية للحكم الذاتي باعتبارها أساساً واقعياً وعملياً للتوصل إلى حل سياسي دائم، في إطار السيادة الوطنية للمملكة.
وخلال مداخلته أمام اللجنة الرابعة للجمعية العامة للأمم المتحدة، أبرز هلال أن المرحلة الراهنة تفرض الانتقال من تدبير النزاع إلى البحث الجدي عن تسوية نهائية، تستند إلى الواقعية السياسية وروح التوافق، وتستجيب لتطلعات سكان المنطقة في الأمن والاستقرار والتنمية.
الحكم الذاتي.. خيار واقعي لتسوية النزاع
وأوضح الدبلوماسي المغربي أن المبادرة المغربية للحكم الذاتي تقدم تصوراً متكاملاً لتدبير الشؤون المحلية، من خلال توزيع واضح للاختصاصات بين المؤسسات التنفيذية والتشريعية والقضائية، بما يضمن مشاركة السكان في إدارة شؤونهم، في إطار السيادة المغربية ووحدة المملكة الترابية.
وأضاف أن المقاربة المغربية تستند إلى رؤية تجمع بين الواقعية السياسية والحكامة الديمقراطية، وتتيح تجاوز حالة الجمود التي طبعت هذا الملف لعقود، داعياً الأطراف المعنية إلى استثمار الدينامية الدبلوماسية الراهنة والانخراط في مفاوضات جادة وبحسن نية.
واعتبر هلال أن المحادثات التي احتضنتها واشنطن ومدريد تمثل فرصة لتعزيز المسار السياسي، مؤكداً أن نجاحه يقتضي الالتزام بالتعهدات، واحترام قرارات مجلس الأمن، والعمل على تثبيت وقف إطلاق النار وتفادي كل ما من شأنه تقويض فرص التسوية.
المغرب يجدد تمسكه بالحل السياسي
وشدد السفير المغربي على أن المملكة تواصل الدفاع عن مقاربتها القائمة على الحوار والتفاوض، مبرزاً أن تقديم تصور مفصل للحكم الذاتي يعكس استعداد المغرب للمضي قدماً نحو حل سياسي قابل للتطبيق، يوازن بين متطلبات الاستقرار الإقليمي والحفاظ على الوحدة الترابية للمملكة.
وفي معرض رده على بعض المواقف التي تثير مسألة الاستفتاء أو تتمسك بتفسيرات متباينة لمبدأ تقرير المصير، دعا هلال إلى قراءة قرارات الأمم المتحدة في سياقها القانوني والسياسي المتكامل، مؤكداً أن المسار الأممي ينبغي أن يركز على التوصل إلى حل تفاوضي واقعي ومتوافق عليه.
كما اعتبر أن النقاش حول مستقبل الصحراء يجب أن يأخذ بعين الاعتبار التحولات التي عرفها الملف، وأهمية البحث عن تسوية تنهي معاناة السكان وتضع حداً لاستمرار النزاع وتداعياته الإنسانية والسياسية.
روابط تاريخية وموقف مغربي ثابت
وفي سياق دفاعه عن الموقف المغربي، استحضر هلال الروابط التاريخية التي تناولها رأي محكمة العدل الدولية الصادر سنة 1975، مشيراً إلى ما أورده الرأي بشأن وجود روابط قانونية للبيعة بين سلطان المغرب وبعض القبائل في إقليم الصحراء قبل الاستعمار الإسباني.
وأكد الدبلوماسي المغربي أن المملكة تستند في دفاعها عن وحدتها الترابية إلى حجج تاريخية وسياسية وقانونية، إلى جانب مقترح الحكم الذاتي الذي تطرحه باعتباره أرضية للتفاوض بشأن تسوية مستقبلية.
كما انتقد وصف الصحراء المغربية بأنها «آخر مستعمرة في إفريقيا»، معتبراً أن الأولوية في المرحلة الحالية ينبغي أن تكون للبحث عن حل سياسي عبر المفاوضات، بدل الاستمرار في شعارات لا تسهم في إنهاء النزاع.
البعد الإنساني في صلب التسوية
ولم يغفل هلال التداعيات الإنسانية لاستمرار النزاع، مسلطاً الضوء على معاناة سكان مخيمات تندوف جراء طول أمد الأزمة، ومشدداً على ضرورة توفير حلول دائمة تحفظ كرامة المعنيين وتضع حداً لمعاناة الأجيال المتعاقبة.
وفي هذا السياق، دعا المغرب، وفق ما أورده السفير، إلى تمكين سكان المخيمات من الاستفادة من الحلول الدائمة المنصوص عليها في القانون الدولي وممارسات المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، وفي مقدمتها العودة الطوعية والكريمة.
واعتبر هلال أن إنهاء هذا النزاع لن تكون له انعكاسات إيجابية على سكان المنطقة فحسب، بل من شأنه أيضاً أن يفتح آفاقاً أوسع للتعاون المغاربي، ويعزز فرص التنمية والتكامل الاقتصادي والاستقرار في شمال إفريقيا ومنطقة الساحل.
نحو مرحلة جديدة من الاستقرار الإقليمي
وفي ختام مداخلته، ربط السفير المغربي بين آفاق التسوية السياسية والطموح إلى بناء مرحلة إقليمية جديدة تقوم على حسن الجوار والتعاون واحترام السيادة الوطنية.
كما جدّد دعم المملكة المغربية لوحدة دولة الإمارات العربية المتحدة وسيادتها على جزر طنب الكبرى وطنب الصغرى وأبو موسى، داعياً إلى تسوية الخلاف بشأنها عبر المفاوضات المباشرة أو اللجوء إلى محكمة العدل الدولية.
وتعكس المداخلة، في مجملها، إصرار الدبلوماسية المغربية على الدفع بمبادرة الحكم الذاتي إلى صدارة المسار السياسي، واستثمار التحولات الأممية لفتح الطريق أمام تسوية نهائية للنزاع، بما يعزز الاستقرار الإقليمي ويتيح توجيه الجهود نحو التنمية والتعاون بدل استمرار التوتر.

