تعيش مدينة سبتة المحتلة واحدة من أعقد الأزمات التي شهدتها في السنوات الأخيرة، بعدما تحولت موجة العبور الجماعي التي عرفتها الأيام الماضية إلى وضع إنساني وأمني خانق، طال آلاف المهاجرين، بينهم مئات الأطفال والقاصرين الذين وجدوا أنفسهم دون مأوى أو غذاء، في ظل استنفاد مراكز الإيواء لكامل طاقتها الاستيعابية، واضطرار أعداد متزايدة إلى العودة نحو المغرب بعد تبخر آمالهم في بلوغ أوروبا.
ووفق ما أوردته صحيفة “إل باييس” الإسبانية، تعيش المدينة حالة شلل شبه تام، حيث أغلقت غالبية المتاجر والمطاعم أبوابها، وألغيت احتفالات عيد “سانتا ماريا دي أفريقيا”، في وقت انتشرت فيه قوات الأمن والجيش وسيارات الإسعاف بمختلف الأحياء لمحاولة احتواء الفوضى التي أعقبت تدفق أعداد كبيرة من المهاجرين.
وباتت الحدائق والساحات والشواطئ ملاجئ مؤقتة لعشرات المهاجرين الذين افترشوا الأرض بعد عجزهم عن إيجاد مأوى، بينما اضطر آخرون لقضاء حاجاتهم في أماكن مفتوحة، وسط ارتفاع درجات الحرارة ونقص حاد في الماء والغذاء.
الأطفال والقاصرون كانوا الأكثر تضررا، إذ تجاوز عددهم بكثير قدرة مراكز الاستقبال، حيث ارتفع عددهم من نحو 180 إلى حوالي 770 خلال ثلاثة أيام فقط، ما أدى إلى انهيار منظومة الإيواء وتعذر استقبال مزيد من الوافدين.
وأكد عاملون في مجال رعاية القاصرين أنهم حذروا مسبقا من هذا السيناريو مع تزايد محاولات العبور، غير أن تلك التحذيرات لم تلق الاستجابة الكافية، لتجد المدينة نفسها أمام وضع وصف بـ”الفوضوي”، بعد عجز تام عن استيعاب الأعداد المتدفقة.
وفي محيط مراكز الإيواء، اصطفت مجموعات من الأطفال والمراهقين على أمل الحصول على مكان للمبيت، غير أن الاكتظاظ حال دون ذلك، لتبقى أبواب المراكز مغلقة في وجوههم.
وتعكس شهادات القاصرين حجم المعاناة؛ إذ روت ملاك، البالغة من العمر 14 عاما، أنها أصيبت أثناء عبورها الصخور الفاصلة بين الفنيدق وسبتة، ولم تتلق أي علاج، قبل أن تقضي يومين في العراء وتقرر العودة إلى المغرب بعد فقدان الأمل. وأكدت أن عناصر الجيش الإسباني كانوا يطالبونهم بمغادرة المدينة، ما اضطرها للاختباء قبل أن تستسلم للواقع.
بدوره، قال أحمد (15 سنة) من مرتيل إنه أمضى ليلة كاملة أمام مركز للقاصرين دون أن يجد مكانا، مضيفا: “لم أتناول أي طعام منذ وصولي… أشعر بجوع شديد”. فيما أكد آخرون أنهم عاشوا فقط على شرب الماء، وقضوا لياليهم في الشوارع والحدائق.
وفي مركز الإقامة المؤقت، كشف آدم (16 سنة) من الدار البيضاء أنه لم يحصل على الطعام، واضطر للنوم على الشاطئ، قبل أن يتصل بوالديه اللذين طالباه بالعودة، وهو ما قام به فعلا، بعدما أدرك صعوبة الوضع.
ولم تقتصر المعاناة على القاصرين، إذ اضطرت عائلات أيضا إلى التخلي عن حلم الهجرة. من بينها زوجان دخلا سبتة رفقة طفلتهما الصغيرة، لكنهما عادا بعد أقل من يومين بسبب غياب الغذاء وتعرضهما لاعتداءات، وفق روايتهما.
كما تحدثت تقارير عن امرأة كانت تسعى للوصول إلى مدريد للالتحاق بزوجها، لكنها وجدت نفسها بلا مأوى أو طعام، قبل أن تطلب منها السلطات مغادرة المدينة.
ومع تزايد العائدين، عرف معبر تراخال طوابير طويلة لمهاجرين قرروا الرجوع، في وقت انتشرت القوات الإسبانية لتنظيم العملية وإعادة الهدوء. ورغم ذلك، استمرت محاولات العبور عبر البحر، ما يعكس إصرار البعض على مواصلة المغامرة رغم المخاطر.
وسجلت أيضا حالات إنسانية مؤثرة، منها طفل فقد والدته وسط الزحام قبل أن يتم العثور عليها، وأخرى لعائلات قدمت خصيصا لاستعادة أبنائها القاصرين، كما حدث مع سيدة ستينية نجحت في إعادة حفيدها إلى المغرب بعد جهود كبيرة.
وفي مواجهة الأزمة، لجأت السلطات إلى تجهيز مستودعات صناعية لاستقبال القاصرين، لكنها امتلأت بسرعة، فيما طُلب تعزيز الموارد البشرية لتسريع عمليات التسجيل والفحوصات الطبية.
وتبقى آثار الأزمة واضحة في مختلف أحياء المدينة، من تراكم النفايات إلى حالة التوتر بين بعض السكان والمهاجرين، في وقت يبرز فيه دور وسائل التواصل الاجتماعي في تغذية هذه الظاهرة، بعدما ساهمت في نشر صورة مضللة عن سهولة الوصول إلى أوروبا عبر سبتة.
غير أن الواقع الذي اصطدم به المهاجرون كان مختلفا تماما، حيث انتهت رحلة كثير منهم بالجوع والتشرد، قبل أن يقرروا العودة، بعدما واجهوا مدينة غير قادرة على استيعاب واحدة من أكبر موجات العبور في تاريخها الحديث.

