لم تكن خسارة دحمان المزرياحي في انتخابات طنجة–أصيلة مجرد خسارة مقعد برلماني. في قراءة أوسع، كانت خسارة لرهان كان يمكن أن يمنح المدينة وجهاً مختلفاً داخل مجلس النواب.
فدحمان لم يدخل السباق الانتخابي بصفته واحداً من الوجوه التي اعتادت الدوران داخل المشهد السياسي المحلي، بل ظهر كاسم جديد، بخلفية أكاديمية ومهنية، وبصورة مرشح حاول أن يقدم نفسه خارج الصورة التقليدية للسياسي.
والأهم أن الرجل لم يختفِ داخل زحام الحملة. على العكس، كان حضوره يتصاعد تدريجياً، وتحولت تحركاته وتواصله مع المواطنين إلى واحدة من علامات الحملة الانتخابية بطنجة. بدا أن منحنى دحمان يسير في الاتجاه الصحيح، وأن الرجل يراكم، يوماً بعد آخر، رصيداً يمكن أن يترجم إلى أصوات.
ثم جاءت ليلة 23 شتنبر.
الصندوق قال كلمته، ولم يصل دحمان إلى البرلمان.
لكن هل يعني ذلك أن المشروع الذي مثله كان فاشلاً؟
ليس بالضرورة.
مرشح جديد وسط قواعد قديمة
ربما تكمن المفارقة في أن دحمان خاض معركة تجديد النخب داخل منظومة انتخابية لا تتغير بالسرعة نفسها.
فالسياسة الانتخابية لا تقوم فقط على الكفاءة والشهادة والحضور الشخصي. هناك التنظيم، والآلة الانتخابية، والتعبئة، والانتشار الميداني، والعلاقات المتراكمة، وذاكرة الناخب، وكلها عوامل يمكن أن تجعل المسافة بين الإعجاب بالمرشح والتصويت له مسافة شاسعة.
وهنا تحديداً يمكن فهم ما حدث مع المزرياحي.
لقد كان قادراً على إقناع كثيرين بأنه يمتلك ما يكفي ليكون وجهاً مختلفاً، لكنه لم ينجح في تحويل ذلك الحضور إلى النتيجة التي كانت ستفتح أمامه أبواب البرلمان.
وهذه ليست بالضرورة هزيمة للفكرة التي حملها.
طنجة كانت بحاجة إلى دحمان
المسألة بالنسبة إلى داعمي المزرياحي تتجاوز شخصه.
طنجة، وهي مدينة كبرى ذات وزن اقتصادي وثقافي وسياسي، تحتاج باستمرار إلى تجديد وجوهها التمثيلية، وإلى فتح الباب أمام أشخاص يحملون تكويناً مختلفاً ويأتون من خارج المسارات السياسية التقليدية.
ومن هذه الزاوية، كان دحمان يمثل فرصة.
وجه جديد، مثقف، صاحب تكوين مهني وأكاديمي، وبعيد عن صورة السياسي الذي يراكم سنوات طويلة من الظهور الانتخابي.
ولهذا فإن خروجه من السباق البرلماني يمكن أن يُقرأ باعتباره خسارة لرهان التجديد أكثر مما هو مجرد خسارة شخصية لمرشح.
فالبرلمان لا يحتاج فقط إلى من يعرف كيف يفوز بالانتخابات؛ يحتاج أيضاً إلى أصوات قادرة على النقاش والتشريع والدفاع عن مصالح المواطنين بلغة المعرفة والخبرة.
وهذا تحديداً ما كان يمكن أن يقدمه دحمان.
المؤلم أكثر: أن المؤشر كان صاعداً
لو أن المزرياحي دخل الحملة وخرج منها دون أن يترك أثراً، لكان من السهل طي صفحته مع إعلان النتائج.
لكن ما يجعل النتيجة أكثر إثارة للتساؤل هو أن مسار الرجل خلال الحملة كان يوحي بشيء آخر.
كان اسمه يصعد، وحضوره يتوسع، وصورته كمرشح جديد تترسخ.
ولهذا جاءت النتيجة بمثابة فرملة مفاجئة لمسار كان يبدو أنه يتجه إلى الأمام.
وهنا لا ينبغي اختزال القصة في «دحمان خسر».
الأدق أن نقول:
دحمان خسر الانتخابات، لكن الانتخابات نفسها خسرت فرصة اختبار وجه جديد كان قد بدأ يفرض حضوره.
المقعد ضاع.. لكن الاسم بقي
قد يحصل السياسي على المقعد ويغادر المشهد بعد نهاية الولاية، بينما قد يخسر آخر الانتخابات ويخرج منها أكثر حضوراً مما دخل.
ودحمان، بالنسبة إلى من تابع حملته، ينتمي إلى الاحتمال الثاني.
لقد خاض تجربته الأولى، اصطدم بقسوة الصندوق، لكنه خرج باسم معروف وبخبرة انتخابية لم تكن متوفرة لديه قبل 23 شتنبر.
والسياسة لا تُبنى دائماً من الانتصارات الأولى.
أحياناً تبدأ من الخسارة.
وربما يكون هذا هو الدرس الأهم في قصة دحمان المزرياحي: الخسارة الانتخابية ليست حكماً نهائياً على الرجل، كما أن الفوز ليس شهادة نهائية على المسار السياسي.
لقد اختار دحمان أن يدخل السباق بوجه جديد وبخطاب مختلف، وكان ينتظر أن تمنحه طنجة فرصة.
الفرصة لم تأتِ هذه المرة.
لكن إذا كان السؤال هو: هل انتهى دحمان يوم إعلان النتائج؟
فالجواب الذي يفرض نفسه سياسياً هو: ليس بالضرورة.
لأن بعض الأسماء تحتاج إلى مقعد كي تُعرف، بينما هناك أسماء يكفي أن تخوض المعركة حتى تبدأ في صناعة مكانها.
ودحمان المزرياحي، في هذه الانتخابات، لم يخسر مقعداً فقط؛ بل ترك وراءه سؤالاً أكبر: هل كانت طنجة مستعدة فعلاً لمنح الوجوه الجديدة فرصة الوصول إلى البرلمان؟

