كشفت دراسة علمية حديثة أن أجزاء من ساحل سلا المطل على المحيط الأطلسي تواجه مستويات متفاوتة من مخاطر التعرية الساحلية والغمر وارتفاع مستوى سطح البحر، مع تسجيل أعلى درجات التعرض في المناطق الجنوبية، ولا سيما محيط سيدي موسى.
وأظهرت الدراسة، التي نشرتها مجلة Natural Hazards Research، أن الخصائص الطبيعية للساحل تلعب دورا مهما في الحد من هذه المخاطر، إذ تساهم بعض الموائل والمكونات الطبيعية الموجودة على الشاطئ في تخفيف تأثير الأمواج والتعرية والغمر.
وشمل البحث نحو 25 كيلومترا من ساحل سلا، بهدف تحديد المناطق الأكثر تعرضا للمخاطر المرتبطة بارتفاع مستوى البحر، ودراسة مدى مساهمة العناصر الطبيعية في تعزيز قدرة الساحل على مواجهة هذه التأثيرات.
وشارك في إعداد الدراسة باحثون من جامعة الحسن الثاني بالدار البيضاء، وجامعة ابن زهر بأكادير، وجامعة القاضي عياض بمراكش، إلى جانب جامعة بوردو الفرنسية، من خلال مختبرات ومؤسسات بحثية متخصصة في البيئة والمياه والجيولوجيا وعلوم السواحل.
نموذج علمي لرصد مناطق الخطر
اعتمد الباحثون على نموذج InVEST لتقييم مستوى تعرض المناطق الساحلية للمخاطر. ويأخذ هذا النموذج في الاعتبار مجموعة من العوامل، من بينها ارتفاع سطح الأرض، وشكل الساحل، وطبيعة الأمواج والرياح والعواصف، ومستوى سطح البحر، إضافة إلى وجود الموائل الطبيعية التي يمكن أن توفر حماية للشاطئ.
وقُسّم الساحل المدروس إلى مقاطع صغيرة، جرى تقييم مستوى الخطر في كل منها، بدءا من الخطر المنخفض جدا وصولا إلى الخطر المرتفع جدا. وأتاح هذا الأسلوب إبراز الاختلافات بين مختلف أجزاء الساحل، خصوصا بين المناطق الشمالية والجنوبية لسلا.
سيدي موسى في مقدمة المناطق الأكثر تعرضا
أظهرت نتائج الدراسة أن المناطق الجنوبية من ساحل سلا تسجل مستويات أعلى من التعرض للمخاطر، خاصة في محيط سيدي موسى، في حين بدت بعض المناطق الشمالية أقل تعرضا.
ويرتبط هذا التفاوت بعدة عوامل، من بينها ارتفاع الأرض عن مستوى سطح البحر، وطبيعة الشاطئ، وشكل الساحل، وقوة الأمواج، إضافة إلى وجود عناصر طبيعية قادرة على الحد من تأثير العوامل البحرية.
وسجل الباحثون في منطقة سيدي موسى مؤشرات واضحة على التعرية الساحلية، وهي نتائج تتوافق مع ما أظهره النموذج العلمي المستخدم في الدراسة.
في المقابل، سجلت مناطق أخرى، من بينها محيط شاطئ الأمم، مستويات أقل من التعرض، وهو ما يرتبط بخصائص الموقع وارتفاعه وبعض العوامل الطبيعية التي تساعد على تقليل تأثير الأمواج.
وتؤكد النتائج أن المخاطر لا تتوزع بشكل متجانس على طول ساحل سلا، إذ قد توجد مناطق شديدة التعرض بالقرب من مناطق أخرى أقل خطرا. ولذلك، فإن التعامل مع الساحل باعتباره وحدة واحدة قد لا يعكس الاختلافات المحلية الموجودة بين مقاطعه المختلفة.
الحماية الطبيعية تخفف من المخاطر
اختبر الباحثون عدة سيناريوهات لمعرفة تأثير ارتفاع مستوى البحر وفقدان عناصر الحماية الطبيعية على مستوى المخاطر الساحلية.
وفي الوضع الحالي، ومع استمرار وجود الموائل الطبيعية، بقيت نسبة مهمة من المقاطع الساحلية ضمن مستويات متوسطة من التعرض، في حين سجلت مناطق أخرى مستويات مرتفعة، خصوصا في الجزء الجنوبي.
لكن عند إعادة الحسابات من دون احتساب الدور الذي تؤديه عناصر الحماية الطبيعية، ارتفعت نسبة المقاطع المصنفة ضمن مستويات الخطر المرتفع، بينما تراجعت نسبة المناطق الأقل تعرضا.
وتبرز هذه النتيجة أهمية المكونات الطبيعية للساحل، التي لا تقتصر وظيفتها على الجانب البيئي، بل تؤدي أيضا دورا في الحد من تأثير الأمواج والتعرية والغمر.
كما درست الدراسة سيناريو مستقبليا يجمع بين ارتفاع مستوى سطح البحر واستمرار وجود الحماية الطبيعية. وأظهرت النتائج أن عددا مهما من المقاطع الساحلية ظل ضمن مستوى متوسط من التعرض.
غير أن الوضع أصبح أكثر خطورة عند الجمع بين ارتفاع مستوى البحر وفقدان الحماية الطبيعية. ففي هذا السيناريو، صنفت 43.8 في المائة من المقاطع الساحلية ضمن مستوى الخطر المرتفع جدا، مقابل 39.3 في المائة ضمن مستوى الخطر المرتفع.
وبذلك، أصبح أكثر من أربعة أخماس الساحل المدروس ضمن الفئتين الأعلى من حيث مستوى الخطر، عندما اجتمع ارتفاع مستوى البحر مع غياب عناصر الحماية الطبيعية.
الخطر يتركز في مناطق محددة
لم تقتصر الدراسة على تحديد مستوى عام للخطر، بل عملت على تحديد أماكن تركزه على امتداد الساحل.
وأظهر التحليل أن المقاطع ذات مستويات التعرض المرتفعة تميل إلى التجمع بالقرب من مقاطع أخرى تحمل مستويات مماثلة، ما يشير إلى وجود مناطق متصلة يتركز فيها الخطر بدلا من توزيعه بشكل عشوائي.
وسجل المؤشر الإحصائي المستخدم لقياس هذا التجمع قيمة تقارب 0.7، وهي نتيجة تدعم وجود تركز واضح للمناطق المتشابهة من حيث درجة التعرض.
وتوفر هذه النتائج خريطة يمكن أن تساعد في تحديد المناطق التي تحتاج إلى مزيد من المتابعة، خصوصا الأجزاء الجنوبية من ساحل سلا، حيث سجلت الدراسة مستويات أعلى من التعرض للتعرية والغمر مقارنة ببعض المناطق الشمالية.
كما قارنت الدراسة بين نتائج النموذج والمعاينات الميدانية، وسجلت توافقا في عدد من المناطق التي صنفها النموذج ضمن الفئات الأكثر تعرضا، مع وجود مؤشرات ميدانية على حدوث التعرية الساحلية.
الحفاظ على الطبيعة جزء من مواجهة المخاطر المستقبلية
تخلص الدراسة إلى أن مستقبل ساحل سلا يرتبط بشكل أساسي بعاملين متداخلين: تطور مستوى سطح البحر خلال العقود المقبلة، وحالة المكونات والموائل الطبيعية الموجودة حاليا على طول الساحل.
وتبرز منطقة سيدي موسى ضمن المواقع التي سجلت أعلى درجات التعرض، بينما تظهر بعض المناطق الشمالية مستويات أقل، نتيجة الاختلاف في الخصائص الجغرافية والساحلية بين مختلف المقاطع.
وتشير النتائج، في المجمل، إلى أن فقدان عناصر الحماية الطبيعية يمكن أن يزيد من تأثير ارتفاع مستوى البحر، من خلال جعل الشاطئ أكثر تعرضا للأمواج والتعرية والغمر. وفي المقابل، يمكن أن يساهم الحفاظ على هذه العناصر الطبيعية في تخفيف جزء من المخاطر المتوقعة وتعزيز قدرة الساحل على مواجهة التغيرات المستقبلية.

