بقلم: محمد ناصر
تأتي زيارة الملك الإسباني فيليبي السادس إلى سبتة لتعيد إلى الواجهة أحد الملفات الأكثر حساسية في العلاقات المغربية الإسبانية، في سياق إقليمي تتزايد فيه أهمية التوازنات الاستراتيجية والمصالح المتبادلة. وبينما قد تنظر مدريد إلى الزيارة باعتبارها تأكيداً لموقفها الرسمي من المدينة، فإن المغرب يملك من الثوابت الوطنية والأوراق الدبلوماسية ما يجعله قادراً على التعامل مع هذه الخطوة من موقع الثقة والاستقلالية، بعيداً عن الانفعال أو التراجع.
إن المغرب، الذي عزز حضوره الاقتصادي والدبلوماسي في محيطه الإقليمي والإفريقي، ليس دولة يمكن اختزال موقفها في رد فعل على تحرك إسباني، مهما كانت رمزيته. فالمملكة تنطلق في علاقاتها الخارجية من مبدأ واضح: التعاون مع الشركاء لا يعني التخلي عن القضايا الوطنية، والانفتاح على الحوار لا يعني القبول بالأمر الواقع باعتباره حقيقة نهائية لا تقبل النقاش.
وتكمن حساسية زيارة سبتة في أنها تتجاوز حدود البروتوكول الملكي لتلامس ملفاً تاريخياً وسياسياً لا يزال موضع خلاف بين الرباط ومدريد. فإسبانيا تتمسك بسيادتها على المدينة، في حين يواصل المغرب المطالبة بسبتة ومليلية في إطار موقفه المتعلق باستكمال وحدته الترابية. ولذلك، فإن أي تحرك رسمي إسباني في هذا المجال يظل قابلاً لقراءة سياسية مغربية ترى فيه تأكيداً للموقف الإسباني، لا تسوية نهائية للخلاف.
المغرب لا يحتاج إلى التصعيد لإثبات قوته، لكنه لا يقبل أيضاً أن تُفهم سياسة ضبط النفس باعتبارها تراجعاً عن الثوابت الوطنية. فالدول الواثقة من مكانتها تعرف متى تتحدث، ومتى تتحرك دبلوماسياً، وكيف توظف مصالحها الاستراتيجية لحماية مواقفها على المدى الطويل.
وتدرك مدريد أن علاقتها بالرباط تتجاوز الحسابات الظرفية؛ فالمغرب شريك أساسي لإسبانيا في التجارة والاستثمار والأمن وتدبير الهجرة، فضلاً عن دوره المتنامي في الربط الاقتصادي بين أوروبا وإفريقيا. وهذه المصالح المتبادلة تجعل العلاقة بين البلدين أكبر من أن تُدار بمنطق فرض المواقف أو الاكتفاء بالرسائل الرمزية.
ومن هنا، فإن الخطأ الدبلوماسي الذي يمكن أن يُسجل على الزيارة، من المنظور المغربي، هو تجاهل حساسيتها السياسية في وقت تحتاج فيه العلاقات الثنائية إلى مزيد من الثقة والوضوح. فالشراكة الحقيقية لا تقوم على مطالبة طرف بتفهم مواقف الآخر باستمرار، بل على الاعتراف بوجود خلافات جوهرية والعمل على إدارتها بمسؤولية.
وفي المقابل، لا تتمثل قوة المغرب في إطلاق التصريحات الحادة أو الدخول في مواجهة غير محسوبة، بل في مواصلة تعزيز اقتصاده، وتوسيع شراكاته الدولية، وتقوية موقعه الاستراتيجي، والدفاع عن مصالحه عبر دبلوماسية واضحة ومتزنة. فالمملكة تملك حق تحديد أولوياتها، كما تملك حق التعبير عن موقفها من القضايا التي تعتبرها مرتبطة بسيادتها ومصالحها الوطنية.
إن الرسالة إلى مدريد ينبغي أن تكون واضحة: المغرب شريك استراتيجي، وليس طرفاً تابعاً؛ ودولة ذات قرار مستقل، وليست دولة يمكن تجاوز حساسياتها الوطنية دون تبعات سياسية. وإذا كانت إسبانيا تريد علاقات مستقرة وطويلة الأمد مع المملكة، فإن احترام المصالح المتبادلة وإدارة الخلافات بجدية يظلان شرطين أساسيين لبناء هذه العلاقة.
في نهاية المطاف، لن تحسم الزيارات الرسمية وحدها الخلاف حول سبتة ومليلية، كما لن تلغي المصالح المشتركة حق المغرب في التمسك بموقفه. وما يحدد قوة الدول ليس قدرتها على فرض روايتها في مناسبة واحدة، بل قدرتها على حماية مصالحها باستمرار، وتحويل موقعها الجغرافي والاقتصادي والدبلوماسي إلى عناصر قوة حقيقية.
المغرب ماضٍ في مساره بثقة؛ يتعاون حين تقتضي المصلحة، ويتحاور من موقع الندية، ويتمسك بثوابته دون تردد. فالشراكة مع إسبانيا خيار استراتيجي، أما السيادة والمصالح الوطنية فليستا موضوعاً للمساومة أو رهينة للمجاملات الدبلوماسية.

