محمد ناصر
لم تكن واقعة مدرسة القدس بمدينة طنجة، يوم الاقتراع الخاص بالانتخابات التشريعية، مجرد حادثة عابرة في سياق انتخابي اتسم، في عمومه، بتعدد الوقائع وتباين القراءات؛ بل سرعان ما تحولت إلى موضوع أثار اهتماماً واسعاً، بالنظر إلى طبيعة المعطيات التي رافقتها، وما طرحته من أسئلة متصلة بسلامة المسار الانتخابي، وبكيفية تدبير الإجراءات داخل مكاتب التصويت، وبحدود المسؤوليات المترتبة عن كل إخلال محتمل بالقواعد المنظمة للعملية الانتخابية.
ففي مدرسة القدس، الواقعة بمنطقة كاساباراطا، ظهرت خلال المرحلة الأخيرة من الاقتراع معطيات أثارت انتباه ممثلي عدد من اللوائح الانتخابية، من بينها مشهد لصندوق زجاجي بداخله أغلفة بيضاء، قبل أن تتطور الأوضاع داخل المؤسسة إلى حالة من التوتر استدعت حضور السلطات إلى عين المكان. وفي خضم هذه الملابسات، برزت واقعة أخرى تمثلت، وفق المعطيات المتداولة، في ضبط شخص داخل محيط المؤسسة وبحوزته حقيبة تحتوي على أوراق انتخابية، الأمر الذي أضاف بعداً جديداً إلى القضية ووسّع دائرة التساؤلات المحيطة بها.
ومنذ ذلك الحين، لم تعد الواقعة محصورة في حدود ما شهده مركز التصويت أو ما وثقته بعض المقاطع والصور المتداولة على منصات التواصل الاجتماعي، وإنما أصبحت موضوعاً لبحث يروم إعادة تركيب تسلسل الأحداث، والتحقق من طبيعة الوثائق والأوراق التي تم ضبطها، وتحديد مصدرها، والوقوف على الظروف التي أحاطت بوجودها داخل أو بالقرب من مركز الاقتراع.
وتكتسب هذه القضية حساسيتها من كونها ارتبطت بمرحلة دقيقة من العملية الانتخابية؛ أي الساعات التي سبقت إغلاق مكاتب التصويت والانتقال إلى عملية الفرز وإعداد المحاضر. وهي مرحلة تكتسي أهمية خاصة في المنظومة الانتخابية، بالنظر إلى ما تقتضيه من احترام صارم للإجراءات، وضمان سلامة الصناديق والوثائق الانتخابية، وتمكين مختلف الأطراف المعنية من ممارسة أدوارها في إطار من الوضوح والحياد والشفافية.
غير أن قراءة هذه الوقائع تقتضي، في المقابل، التمييز بين ما هو ثابت وموثق، وما هو مجرد معطى متداول أو استنتاج مبني على صور ومقاطع مجتزأة. فانتشار مشاهد معينة على نطاق واسع لا يكفي، في حد ذاته، لإثبات وجود مخالفة انتخابية أو تحديد الجهة المسؤولة عنها، كما أن الاتهامات المتبادلة بين مختلف الأطراف لا يمكن أن تحل محل المعطيات التي ستفرزها الأبحاث الرسمية.
وفي هذا السياق، تبرز مجموعة من الأسئلة المركزية التي أصبحت في صلب القضية: ما طبيعة الأوراق الانتخابية التي تم ضبطها؟ وما مصدرها؟ وكيف وصلت إلى محيط المؤسسة؟ وهل ثمة صلة بين هذه الأوراق وبين المشهد الذي ظهر داخل الصندوق؟ وهل يتعلق الأمر بوقائع مستقلة جرت في فضاء واحد، أم أن التحقيقات قد تكشف وجود ترابط بينها؟
وهي أسئلة لا يمكن الإجابة عنها بصورة دقيقة إلا من خلال استكمال الأبحاث، وفحص المعطيات المتوفرة، ومراجعة المحاضر والوثائق ذات الصلة، والاستماع إلى مختلف الأطراف المعنية، قبل استخلاص أي نتائج نهائية بشأن طبيعة الواقعة والمسؤوليات المحتملة عنها.
كما أن أهمية القضية لا ترتبط فقط بما جرى داخل مدرسة القدس، وإنما بما أثارته من نقاش أوسع حول الثقة في العملية الانتخابية، وحول ضرورة أن تظل المؤسسات والممارسات الانتخابية بمنأى عن كل ما من شأنه أن يثير الشك في نزاهتها أو في سلامة الإجراءات المؤطرة لها.
وبين روايات متباينة، ومشاهد مصورة، ومحاضر انتخابية، ومعطيات تخضع للتحقق، تقف واقعة مدرسة القدس اليوم أمام مسار بحثي وقضائي يفترض أن يقدم الإجابات عن الأسئلة التي رافقتها منذ الساعات الأولى.
فما الذي حدث تحديداً في مدرسة القدس؟
وما حقيقة الأوراق التي تم ضبطها؟
وكيف وصلت إلى المكان؟
وهل تكشف نتائج التحقيقات عن وقائع مترابطة أم عن أحداث منفصلة؟
أسئلة كثيرة ما تزال مفتوحة، فيما تبقى الإجابة النهائية رهينة بما ستكشف عنه الأبحاث والوثائق الرسمية، بعيداً عن الأحكام المسبقة وعن التأويلات التي قد تنتجها التداولات الرقمية.
إنها، في نهاية المطاف، واقعة انتخابية تختزل في تفاصيلها إشكالية أوسع تتعلق بضرورة صون الثقة في العملية الديمقراطية، وبأهمية أن تكون كل واقعة مثار شك أو تساؤل قابلة للتوثيق والتحقق والمساءلة، بما يضمن وضوح الحقيقة واحترام المؤسسات والقواعد القانونية المؤطرة للاستحقاقات الانتخابية.

